🟠 خاص – شدة قلم – التغريبة اللبنانية (2) .. هل ترجّلت “التربية الوطنية” لصالح تعاليم الغرب؟

عود على بدء.. وبعد مقالي “التغريبة اللبنانية” بجزئه الأوّل يوم أمس.. أراني أفتح باب “تغريبة لبنانية جديدة” لم أكن أسعى إليها.. إلا أنّ التحضير لموسم دراسي جديد.. ومشواراً بسيطاً إلى المكتبة لشراء الكتب المدرسية.. شرّع أمام ناظري نافذة سؤال عريض بأفرع كثيرة.. لعل أبرزها: لماذا تتخلّى العديد من “المدارس اللبنانية الخاصة” عن تعليم مادة “التربية المدنية والتنشئة الوطنية”؟!.. لماذ يتم استبدالها بكتب أجنبية ومفاهيم غربية لا تمت إلى مجتمعاتنا العربية واللبنانية تحديداً بأي صلة؟!.. ولماذا نتناسى موروثنا الأخلاقي والثقافي.. لنلقّن أبناءنا أدبيات مُستنسخة من الغرب مع أنّنا أهل الأخلاق والثقافات والكرم والعطاء والإبداع والمبادرة؟!..
أمام هذه الواقع سألت نفسي عن الوطن المُستباح بمفهومه الانتمائي.. وعقول أبنائنا الناشئة التائهة دون بوصلة أخلاقنا العربية وعاداتنا الأصيلة.. لتحل مكانها أساليب حياة غربيّة.. واختراقات ناعمة تفرّغ الإنسان من جيناته الثقافية باسم “العولمة”.

سرحتُ في استفحال “عقدة الخواجة” في مؤسّساتنا التعليمية.. حين يصبح الابتكار والنجاح رهينةً لثقافة “كل فرنجي برنجي”.. فيقع الكثير من الـHigh Schools في فخ التخلّي التدريجي عن كتب “التربية المدنية والتنشئة الوطنية”.. لصالح برامج مستوردة كـ “Leader in me”.
الهدف الحقيقي من هذا التبديل في كثير من الأحيان.. ليس جودة المحتوى بقدر ما هو الركض وراء مظاهر جوفاء.. وإغراء الأهل بعناوين برّاقة تضمن للمدرسة وصماً بـ”الرقي الطبقي “Class.. وكأن المهارات القيادية لا تصح ولا تُحترم.. إلا إذا كُتبت بلسان غربي وأتت من وراء البحار.
لا أنكر أنّ المفاهيم السبعة التي يطرحها برنامج “Leader in me”.. من المبادرة إلى تنظيم الوقت وتحمل للمسؤولية فالتخطيط للنجاح وسواها.. هي أفكار ممتازة وضرورية لبناء شخصية الطالب.. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بغضب: هل يعجز الفكر المحلي والتربوي اللبناني عن صياغة هذه المفاهيم نفسها وضخها في مناهجنا الوطنية؟

المشكلة ليست في أفكار النجاح القيادي.. بل في الاستسهال والاستخفاف بالذات.. واستيراد حزم جاهزة ومُكلفة لتعليم أطفالنا كيف يكونون قادة.. في حين أنّ بيئتنا وثقافتنا الشرقية وأصولنا غنية بقيم “الالتزام والاحترام والمبادرة والتكافل”.. التي يمكن تطويرها وإخراجها بقالب عصري وتفاعلي.. دون الحاجة لارتهان شكلي ومادي لشركات أجنبية.
المقارنة هنا تكشف خللاً في الأولويات.. فكتب “التربية الوطنية” صُمِّمَتْ لتبني المواطن الذي يعرف حقوقه وواجباته وينتمي لأرضه.. بينما صُمِّمَتْ البرامج الغربية لتبني فرداً يركّز على مهاراته العملية والشخصية.. والجمع بين الاثنين ليس مستحيلاً.. بل يكمن الذكاء التربوي في إشراك هذه المهارات القيادية.. ضمن كتابنا الوطني وتطوير أساليبه العقيمة.. بدلاً من إلقاء الكتاب الوطني في المستودعات.. والافتخار بتدريس منهج أجنبي لمجرد أن يحمل علامة تجارية غربية.. وعلى أمل أنْ يكون مقالي الأوّل “لطشة لمن لا يشعرون”.. ومقالي هذا خطوة أولى في رحلة العودة إلى الذات!!

مصطفى شريف – مدير التحرير



