🟠 خاص – تيم حسن في “قصتي”… حديث الممثل بلغة شاعر

رحاب ضاهر

لو لم يكن تيم حسن فناناً، لربما كان شاعراً أو روائياً بامتياز. هذا ما يخطر في البال بعد متابعة حديثه مع محمد قيس في بودكاست “قصتي”، حيث تجاوز اللقاء حدود الحوار التقليدي مع نجم متفرد، ليكشف عن رجل يمتلك قدرة لافتة على “الحكي”، ويعرف كيف يستعيد ذاكرته ويمنح تفاصيلها حياة بالكلمات.

تيم حسن ليس من النجوم الذين يظهرون في كل مناسبة، ولا ممن يلاحقون المقابلات أو يدخلون في سجالات إعلامية. يترك أعماله تتحدث عنه، ويكتفي الجمهور بمشاهدة الشخصيات التي يقدمها على الشاشة. لذلك، كان ظهوره في “قصتي” مختلفاً، ليس فقط لأنه نادر، بل لأن الحديث أخذنا إلى مساحة أبعد من الفن والنجومية، إلى عوالمه الشخصية والنفسية، وإلى نظرته للحياة وما تركته فيه من تجارب.

لم يحاول تيم تجميل صورته أو تقديم نفسه في هيئة النجم المثالي. تحدث بعفوية وصراحة عن عصبيته وتقلب مزاجه، ولم يخفِ أنه شخص ساخر، وأن الخذلان والصدمات التي مر بها جعلت جلده أكثر سماكة. لم يتعامل مع الأسئلة بحذر من يريد انتقاء إجاباته بعناية، بل بدا متصالحاً مع ما فيه من تناقضات، ومع حقيقة أن الحياة لا تسير دائماً كما نريد.

حتى حين تحدث عن أولاده، لم يلجأ إلى نبرة الأب الذي يريد استدرار التعاطف بسبب ابتعاده عنهم في مراحل من طفولتهم. قال إنهم أصبحوا شباباً، وإن العلاقة معهم باتت أقرب إلى الرفقة، وتحدث عن ظروف حياتهم كما هي، من دون تبرير أو شكوى. كان يتعامل مع ما فات بوصفه جزءاً من رحلة الحياة، لا مناسبة للتباكي على ما لم يستطع تغييره.

لكن أكثر ما يلفت في حديث تيم حسن هو لغته العربية الجزلة، وطريقته في وصف الأماكن والناس والذكريات. فهو لا يكتفي بالإشارة إلى موقف مرّ به، بل يعيد بناءه أمام المستمع، بتفاصيل تجعل الحكاية أقرب إلى مشهد سينمائي. حين استعاد مشواره مع ابنه وهو طفل إلى جبل قاسيون، قبل مغادرته سوريا، لم يكن يروي ذكرى عابرة عن الأبوة، بل كان يرسم صورة للشام وأحيائها، ولعلاقة الإنسان بالمكان الذي يكبر فيه ويحمل تفاصيله معه أينما ذهب.

وكذلك حين وصف دمشق حيث يتساقط فيها الثلج، أوحين  استعاد زيارته الأولى لمعهد الفنون المسرحية. في هذه اللحظات تحديداً، بدا أن لديه موهبة تتجاوز التمثيل؛ موهبة التقاط التفاصيل الصغيرة وتحويلها إلى صور نابضة. لم تكن لغته متكلفة أو مستعرضة، بل جاءت من ذاكرة غنية ومن علاقة عميقة بالمكان، ومن شخص يعرف كيف يختار كلماته ليصل إلى ما يريد قوله.

ولعل هذا ما يجعل الاستماع إليه ممتعاً. فالنجم الذي اعتاد الجمهور رؤيته متقمصاً شخصيات مختلفة، بدا هنا منشغلاً باستعادة شخصيته هو، بعيداً عن النصوص والأدوار. لم يكن بحاجة إلى أداء مشهد كي يترك أثراً؛ كانت الحكاية وحدها كافية، وكانت لغته تمنحها ما تحتاج إليه من صورة وإحساس.

ومن أكثر محطات اللقاء حساسية حديثه عن وفاة شقيقه خلدون. استعاد الحادثة وتفاصيلها بنوع من الإعتراف ، وتوقف عند لحظات ظلت عالقة في ذاكرته. لم يقدّم الحكاية باعتبارها مأساة يريد أن يكسب بها تعاطف الجمهور، بل بدا كأنه يعود إلى ألم قديم، ويحاول أن يضعه أمامه بالكلمات. كان حديثه صريحاً ومؤثراً، وفيه شيء من المصارحة مع النفس، كأن استعادة التفاصيل تمنحه فرصة لقول ما بقي طويلاً في داخله.

بين هذه الذكريات والاعترافات، لم تغب خفة الظل. تيم الذي يصف نفسه بالساخر لم يتخلَّ عن حسه الفكاهي، حتى وهو يتحدث عن أمور تركت أثراً عميقاً فيه. وهذه المفارقة جزء من حضوره في اللقاء: رجل يعرف أن الحياة تحمل ما يكفي من الخيبات، لكنه لا يريد أن يتحدث عنها دائماً بوجه عابس. يعترف بعصبيته، وبما أصابه من خذلان، وبأن التجارب غيّرته، من دون أن يفقد قدرته على السخرية من نفسه ومن بعض المواقف.

في “قصتي”، لم يكن تيم حسن معنياً بتلميع صورته أو إضافة فصل جديد إلى مسيرته الفنية، بقدر ما بدا راغباً في الحديث عن نفسه كما هي، بما فيها من ذكريات جميلة وأوجاع قديمة وطباع لا يدّعي كمالها. وربما كانت هذه أكثر ما يميز اللقاء: أنه أخرج النجم من المساحة التي يعرفه الجمهور فيها، وترك الإنسان يتحدث بلغته وذاكرته.

قد يكون تيم حسن ممثلاً بارعاً، لكن هذه الحلقة كشفت جانباً آخر من موهبته. ، كان ثمة شاعر وروائي يطلان من خلف الممثل. وربما لهذا السبب بدا اللقاء أكثر من مجرد مقابلة مع نجم، كان رحلة في ذاكرة رجل يعرف كيف يحوّل حياته إلى حكاية.

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة