🟠تهديدات بأيام قاسية جداً: سيطيرُ الجنوب… و”الحزب” والسلاح!

تكاد الحرب الجديدة على لبنان تصبح حتمية، بعد التسريبات التي تعمدت إسرائيل إشاعتها عبر صحيفة “معاريف”، وتتحدّث عن خطط لاحتلال الجنوب كله، بمدن صور وصيدا والنبطية، وفرض حصار بحري على مرفأي بيروت وطرابلس. إنها فعلاً تهديدات بأيام قاسية جداً تنتظر الجنوب والعاصمة ومناطق أخرى ربما. لكن ما هو أشد قسوة منها يكمن في الداخل اللبناني نفسه: كيف “توافق” الجميع على تسليم أوراق لبنان كلها إلى آلة الحرب الإسرائيلية، تفعل ما تريد وكأنها القدَر، بعدما اختار الاستسلام لإرادة إيران، وتخاذل في شكل متمادٍ عن الدخول في باب للإنقاذ. 

تجرُّع الكأس الإسرائيلية المريرة

​يترسخ الاقتناع في واشنطن، بأنّ الدولة اللبنانية لن تقوم بأي شيء في ملف نزع سلاح “حزب الله”. والكلام المتداول في مراكز القرار هناك، هو أنّ لبنان بات حالاً ميؤوساً منها، وأنّ الدولة اللبنانية محكومة بعطل بنيوي قاتل، يجعلها تفضّل تجرُّع الكأس الإسرائيلية المريرة على مواجهة أصل العلّة في الداخل. وفي الواقع، يئس أركان إدارة دونالد ترامب، ولا سيما منهم السفير في لبنان ميشال عيسى الذي بدا دائماً متحمّساً جداً للمساعدة، وضجروا من وعود اللبنانيّين التي يسمعونها في كل مناسبة أو جولة تفاوض، ويبدون فيها استعدادهم لمعالجة ملف السلاح، ويطالبون في المقابل بوقف عمليات إسرائيل وانسحابها. 

وعود تتبخّر أمام إصرار “الحزب”

ولطالما تلقّى اللبنانيون وعوداً بدعم أميركي لتنفيذ هذه المطالب، حالما يتمّ التزام خطوات ملموسة في ملف السلاح. لكن على أرض الواقع في بيروت، كل وعود الدولة تتبخّر أمام إصرار “الحزب” على التمسك بالسلاح وكامل المنظومة العسكرية والأمنية والمالية. وبناءً على ذلك، يوقف الأميركيون مبادراتهم، ويوافقون على منطق إسرائيل ومقارباتها الخطرة للملف اللبناني: بدل وقف النار والانسحاب، نحن سنوسع السيطرة لتشمل الجنوب كلّه حتى الأولي، بمجرّد أن يرتكب “الحزب” أول خطأ بالعودة إلى الحرب.

والمثير هو أنّ الدولة التي تطلق الوعود بإطلاق خطوات ملموسة في ملف السلاح، تتخبّط في التعاطي مع تجاوزات “عادية” يرتكبها “الحزب”. فحتى اليوم، يسود منطق التمييع في التعاطي مع شحنات الـ C-4 والـ TNT العابرة من البقاع نحو بيروت. وعندما يتصل الأميركيون بأركان الدولة ويطالبونهم بالحزم، يأتيهم الردّ تكراراً بشعارات “التريّث” و”مراعاة تركيبة لبنان الطائفية والمذهبية المعقّدة”. وفي الواقع، أُعطي اللبنانيون مهلاً عدة ومُنحوا مزيداً من الوقت لإنجاز ما يلزم من خطوات، والأفضل من دون صدام مع “الحزب”، لكنّ الدولة لم تفعل شيئاً على أرض الواقع. ولذلك، فقدت واشنطن ثقتها بالدولة اللبنانية تدريجاً، وباتت أكثر اقتناعاً بسردية إسرائيل التي ترى في المؤسسات الرسمية اللبنانية غطاءً لـ”حزب الله”، بالعجز أو التواطؤ. 

وبالتأكيد، يتحمّل “الحزب” مسؤولية تاريخية، بوصفه ​الطرف المتسبِّب بالانتحار، وهو اليوم لا يتورَّع عن تكرار التجارب المأسوية ذاتها، ولا يبدّل خطوة واحدة في النهج التدميري. وتشير كل المعطيات، إلى أنّ “الحزب” يستعد لإطلاق جبهة إسناد ثانية لمصلحة طهران، فور بدء الضربات الأميركية – الإسرائيلية المشتركة ضدّها، إذا وقعت الحرب. فهو لم يتعلّم شيئاً، ولم يدرك بعد ما معنى خسارة 6% من أراضي لبنان حتى الآن. وهو يواصل بناء بنيته التحتية وتجهيز قدراته لمواجهة جديدة تحت عين الدولة والأجهزة الرسمية، منتظراً إشارة إيران، مع إدراكه التام أنّ الترسانة لن تمنع أبداً اجتياح إسرائيل للجنوب وتدمير الضاحية، وأنّها باتت عبئاً ثقيلاً على لبنان وأهله.

واشنطن تفوّض “الشرطي الإسرائيلي”

​الجانب الأكثر إثارة في المشهد، هو ذلك التغاضي الضمني الذي تعتمده السلطة اللبنانية، التي لا ترغب أو لا تجرؤ على خوض أي مواجهة مع “الحزب” لإقناعه على إنهاء السلاح وضبط المعابر. ​وبذلك، واشنطن فضّلت تفويض المهمّة كلياً إلى “الشرطي الإسرائيلي”، لأنّه الوحيد الذي يملك القدرة والإرادة والغطاء الميداني لاستئصال السلاح. ثم تجلس على الأنقاض باكيةً السيادة المفقودة. 

في الواقع، ​لبنان لا يُساق إلى الكارثة غصباً عنه، بل هو يزحف إليها بقدمَيه. و​سواء أسفرت انتخابات الكنيست عن حكومة لنتنياهو أو لآيزنكوت، وسواء انتهت الانتخابات النصفية الأميركية إلى هذه النتيجة أو تلك، فإنّ القرار في واشنطن بات محسوماً: الملف اللبناني سيُترك للآلة العسكرية الإسرائيلية التي ستطيح ما تبقّى من الجنوب ومن “الحزب” وسلاحه. و​ما كان يمكن للبنانيين، كدولة وكـ”حزب”، أن يتجنّبوه بقرار سيادي شجاع يحظّر السلاح ويحمي المؤسسات، سيدفعون ثمنه غداً بضياع جنوبهم وتهديد الكيان.


طوني عيسى- الجمهورية

مقالات ذات صلة