🟠 خاص – الممثلة التركية دوغا روتكاي تفتح ملف التنمّر على أجساد النجمات

رحاب ضاهر

أعادت الممثلة التركية دوغا روتكاي فتح ملف التعامل الإعلامي مع أجساد النجمات، بعدما استرجعت عناوين صحافية كانت تلاحقها منذ سنوات  بسبب وزنها، حتى إن ظهورها على الشاطئ كان يتحول إلى مادة للأخبار والتعليقات الساخرة. “لقد زاد وزنها كثيراً”، و”نزلت الى البحر بهذا الوزن”… عبارات استنكرت من خلالها كيف يصبح نزولها إلى البحر خبراً يستحق النشر لمجرد أنها لم تكن نحيفة.

لا تتعلق المسألة بتجربة ممثلة مع عناوين قديمة فحسب، بل بنظرة الإعلام إلى أجساد الفنانات، وانتقال التعليقات التي كانت تنشرها الصحافة الصفراء إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث بات التنمر أكثر انتشاراً واستمراراً.

وذكرت روتكاي أنها كانت تزن بين 70 و75 كيلوغراماً في تلك المرحلة، ولم تكن تخجل من بنيتها الممتلئة. وقالت بلهجة ساخرة: «أنا ممتلئة، يا أخي، ماذا أفعل؟ هل لا أذهب إلى البحر؟»، رافضة فكرة أن تكون مطالبة بتبرير شكلها.

لكن العودة إلى الأرشيف تكشف مفارقة أكثر دلالة. ففي 2021، نشرت مواقع تركية أخباراً عن ظهور روتكاي على أحد الشواطئ، تحت عنوان «دوغا روتكاي خسرت وزنها من 69 إلى 56 كيلوغراماً! تأسر الأنظار بجسمها الرشيق». لم يتغير اهتمام الصحافة بجسد الممثلة، بل تبدّلت النبرة بحسب الرقم على الميزان: زيادة الوزن مادة للتعليق، وخسارته مناسبة للاحتفاء.

هذا التناقض يضع تجربة روتكاي في قلب سؤال أوسع: هل تخلّصت الصحافة الفنية التركية من لغة التنمر على أجساد النساء، أم أنها ما زالت تتعامل مع الوزن والمظهر باعتبارهما جزءاً من حق الجمهور في مراقبة حياة الفنانات؟

من عناوين الشواطئ إلى التعليقات على مواقع التواصل

لم تكن روتكاي حالة منفردة. فالممثلة هازال كايا انتقلت من موقع المتلقية لهذه التعليقات إلى الحديث عن أثرها في فرص النساء المهنية. وكشفت أنها اختبرت التمييز بسبب وزنها، وقالت إنها ذهبت إلى جلسة تصوير لغلاف مجلة، ثم فوجئت بوضع صورها داخل الصفحات بدلاً من الغلاف. وأضافت أن قطاع المسلسلات لا يمنح النساء الممتلئات أدوار البطولة بسهولة، وأن التعليقات الجارحة على مواقع التواصل قد تترك أثراً مؤذياً.

وبعد سنوات، لم تختفِ المسألة، بل عادت بأشكال أخرى. الممثلة بيرغوزار كوريل وجدت نفسها في 2026 وسط موجة أخبار عن خسارتها الوزن، بعدما أنجبت ثلاثة أطفال، وتحدثت علناً عن اضطراب الأكل العاطفي والتغيّرات التي مر بها جسدها. وفي مايو من العام نفسه، نشرت الصحافة أخباراً عن خسارتها 20 كيلوغراماً خلال أربعة أشهر، بينما كانت تشرح أن الأمر لم يكن مجرد تغيير في المظهر، بل رحلة صعبة مع علاقتها بالطعام والرياضة.

فهرية أفجين… من التنمّر إلى التضامن

اما  تجربة  الممثلة فهرية أفجين فتقدم  وجهاً آخر من هذه القضية، وتكشف أن مواقع التواصل ليست مساحة للتنمر وحده، بل يمكن أن تتحول إلى مساحة للتضامن والاعتراض على المعايير المفروضة على أجساد النساء.

ففي 2019، وبعد أربعة أشهر من إنجاب طفلها الأول ، ظهرت أفجين في مطار إسطنبول، لتتعرض صورها لتعليقات ساخرة وانتقادات بسبب عدم استعادة رشاقتها. لكن رد الفعل لم يقتصر على هذه التعليقات، إذ أطلق برنامج “الصفحة الثانية” حملة تضامن معها بعنوان “فهرية، أنت جميلة جداً”، وتوالت رسائل الدعم من نساء ومتابعين رأوا في ظهورها بجسدها بعد الولادة صورة أقرب إلى واقع الأمهات، بعيداً عن التوقعات التي تفرض استعادة الوزن السابق خلال أسابيع قليلة.

وعبّرت متابعات عن سعادتهن برؤية فنانة معروفة تمر بتجربة مشابهة لتجاربهن، كما انضمت فنانات إلى حملة الدعم، في موقف تجاوز الدفاع عن نجمة بعينها إلى الاعتراض على محاسبة المرأة على شكل جسدها بعد الإنجاب.

ما الذي تخفيه الفلاتر؟

لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن الصورة المثالية التي تحرص بعض النجمات على تقديمها عبر حساباتهن، مستعينات بالفلاتر وتطبيقات تعديل الصور لتغيير الملامح وتنحيف الخصر وإخفاء تفاصيل الجسد. ومع انتشار هذه الصور، تتكرس لدى الجمهور توقعات غير واقعية عن شكل الفنانة، فيصبح ظهورها بصورة عفوية أو بوزن مختلف مناسبة للمقارنة والتعليق. وبينما تحرص بعض النجمات على الحفاظ على هذه الصورة، تختار أخريات إظهار التغيّرات الطبيعية التي تطرأ على أجسادهن بعد الحمل والولادة أو مع التقدم في العمر، في مواجهة ضمنية للمعايير المفروضة عليهن.

هل تغيّرت لغة الإعلام؟

تكشف هذه النماذج أن التعليقات على أجساد الفنانات لم تعد محصورة في عناوين الشواطئ والصور التي تلتقطها عدسات المصورين، بل امتدت إلى أوزانهن بعد الحمل والولادة، واختياراتهن الغذائية، وحتى مدى ملاءمة مظهرهن لأداء أدوار البطولة. ورغم أن بعض وسائل الإعلام باتت تستخدم لغة أكثر حذراً، وأن الفنانات أصبحن أكثر جرأة في الرد على الإساءات، فإن التنمر لم يتراجع بالضرورة، بل انتقل جزء كبير منه إلى مواقع التواصل، حيث تتحول الصور والمقاطع إلى مساحة مفتوحة للتعليق على الوزن والملامح والملابس، واللافت أن بعض المواقع لا تزال تعيد نشر هذه التعليقات في صيغة أخبار، فتمنحها انتشاراً إضافياً.

تجربة دوغا روتكاي تختصر هذه المفارقة بوضوح. فالممثلة التي لاحقتها عناوين عن زيادة وزنها، عادت الصحافة نفسها تقريباً لتحتفي برشاقتها بعد خسارة الوزن. وبين العنوانين، بقي جسدها هو الخبر، فيما غابت الأسئلة المتعلقة بعملها ومسيرتها.

لا يتعلق الأمر بالدفاع عن زيادة الوزن أو خسارته، ولا بفرض شكل معين للفنانة، بل بحقها في ألا يكون مظهرها مادة دائمة للتقييم والسخرية. فالتغيير الحقيقي في لغة الصحافة لا يُقاس باستبدال الكلمات الجارحة بتعابير ألطف فحسب، بل بالتوقف عن اختزال الفنانة في مقاس ملابسها، وعدم تحويل كل صورة شخصية إلى محاكمة علنية لجسدها.

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة