🟠 فرصة أخيرة قبل الانفجار الكبير: حلف مكة في طهران…هل جاء متأخراً؟!

كان يمكن لاجتماع أعضاء “حلف مكة” في طهران لو عقد قبل أشهر أن يؤسس فعلياً لمشهد جديد على مستوى المنطقة. لكنه جاء متأخراً وفي محاولة استلحاقية لتفادي انفجار كبير، ليست مضمونة حتى الآن القدرة على تلافيه. لكن الخطوة تمثّل تطوراً هاماً، إذ منذ الإعلان عن حلف مكة أعلنت دوله استعدادها للتفاهم مع إيران، ولخلق توازن مع إسرائيل التي تريد مواصلة حروبها وتوسعها. جاء الاجتماع على وقع تهديدات أميركية وإسرائيلية واضحة بتنفيذ عملية عسكرية ضد إيران، ستتحول إلى حرب إقليمية، كما أنه جاء في ظل اشتعال حرب اليمن، وتعرض السعودية لضربات من حلفاء إيران الحوثيين، بعدما تعرضت خلال الحرب الماضية لضربات من إيران نفسها. وهذا وحده يشير إلى خطورة الوضع الذي يستدعي هذه الزيارة واللقاء، وهنا لا بد من العودة إلى ما قبل حرب شباط 2026 على إيران، حيث كانت قنوات الاتصال السعودية الإيرانية فعالة، وزار وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان طهران يومها وسلّم المرشد علي الخامنئي رسالة من الملك سلمان، كما حصلت زيارات لولي العهد السعودي ولوزير الدفاع إلى الولايات المتحدة في محاولة لتجنب الحرب، لكن كل تلك المساعي لم تؤد إلى نتيجة حينها.

تجنب الانفجار

جاءت زيارة دول “حلف مكة” بعد مساعٍ حثيثة بذلتها دولة قطر على خط التفاوض الإيراني الأميركي، وقد ساهمت قطر في التمهيد لهذه الزيارة وترتيبها في إطار الجهود المشتركة لتجنب انفجار كبير على مستوى المنطقة، في ظل التهديدات الأميركية بتدمير البنى التحتية الإيرانية ومنشآت النفط والمنشآت النووي، مقابل التهديدات الإيرانية التي أبلغت بها دول المنطقة وتشير إلى أن طهران ستستهدف مرافق حيوية، ومحطات طاقة وكهرباء وتحلية للمياه وغيرها، وهذا ما يعني إدخال المنطقة ودولها في حرب لا تنتهي آثارها لسنوات، خصوصاً في ظل التهديدات الأميركية الجدية بشن الحرب على إيران، وبعد نقل رسائل بأن القرار قد اتخذ ولم يتبقَّ سوى اختيار التوقيت بالتزامن مع استمرار تجهيز القوات.

تفاصيل الخطة

كانت الولايات المتحدة الأميركية، قد أعدت خطتها العسكرية بالاشتراك مع إسرائيل، وبحسب ما يتسرب فالخطة تتركز على تنفيذ غارات جوية عنيفة على منشآت حيوية وأساسية بينها منشأة جبل الفأس وأي منشأة نووية أخرى، إضافة إلى ضرب محطات النفط وخزانات الوقود ومنشآت الطاقة والكهرباء، إلى جانب مصانع ومخازن لصواريخ ومسيرات. كما تشتمل الخطة الأميركية على ضرب مقرات ومراكز أساسية للحرس الثوري والباسيج، وتنفيذ عمليات اغتيال، واستهداف بنىً تحتية في محاولة لعزل محافظات بعضها عن بعض، والإفساح في المجال أمام مجموعات من الداخل الإيراني للسيطرة على هذه المحافظات. إضافة إلى تركيز العمليات العسكرية في محيط مضيق هرمز والجزر المشرفة عليه في محاولة للسيطرة الأميركية عليها، وليس بالضرورة من خلال نشر قوات أميركية بل نشر قوات أخرى بإشراف أميركي.

إسقاط النظام

هذه الخطة تعني بالنسبة إلى الأميركيين محاولة لإسقاط النظام، لكنها غير مضمونة النتائج خصوصاً بالنسبة إلى الإيرانيين الذين يعتبرون أنفسهم قادرين على الصمود واحتواء الضربة والانتقال إلى مرحلة توجيه الضربات المؤلمة لأميركا وحلفائها في المنطقة ضمن إطار الضغط المضاد لوقف الحرب والعودة إلى طاولة التفاوض. هذا المعيار الإيراني يتحكم أيضاً بطريقة التعاطي مع كل الوساطات، فحتى الآن لا تزال طهران تعتبر نفسها منتصرة من كل ما جرى، وقادرة على الصمود، ولذلك لا تزال تريد فرض شروطها. وهي تعتبر أن كل الوفود التي تزورها، والعروض التي يقدمها لها الوسطاء، إنما هي بدافع أميركي، ودليل على عدم قدرة واشنطن على شن الحرب وحسم النتيجة لمصلحتها.

أمن مشترك

وهكذا تقرأ إيران في زيارة وفد السعودية، تركيا، وباكستان إليها، لذلك قرر الإيرانيون التشديد والتركيز على ضرورة التنسيق مع دول المنطقة وأن يكون الأمن مشتركاً في ما بينهم بلا أي استناد إلى قوىً خارجية، والتفسير الحرفي لذلك هو العودة إلى الشروط الإيرانية التي تطالب بانسحاب الأميركيين من المنطقة، وتطالب دول الخليج بإخراج الأميركيين من أراضيها وإغلاق القواعد العسكرية. وكان هذا أحد الطروحات الإيرانية لأجل تعزيز التنسيق الأمني والدفاعي وبناء تفاهمات، تماماً كما كان هذا هو تعليق الإيرانيين لدى مناقشتهم في السابق حول الانضمام إلى حلف مكة.

4 نقاط

ما ذهب به وفد “مكة” يشتمل على أكثر من نقطة، وقد يكون متدرجاً على مراحل:

أولاً، خفض التصعيد والدخول في مفاوضات جدية مع واشنطن، ذلكَ لتجنب التصعيد في ظل الانتخابات الإسرائيلية والأميركية.

ثانياً، وقف العمليات العسكرية في المنطقة خصوصاً في اليمن، وفتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار عن إيران.

ثالثاً، الانتقال إلى مرحلة ثانية من التفاوض، تتعلق بدخول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى إيران وبدء عمليات البحث والتفتيش، مقابل رفع العقوبات أو الإفراج عن الأموال المجمدة.

رابعاً، البحث في الملف النووي والوصول إلى صيغة اتفاق حول التخصيب وحول اليورانيوم عالي التخصيب، وسط إصرار أميركي على إخراج هذه الكمية من اليورانيوم العالي التخصيب إلى خارج إيران وهو الأمر الذي يرفضه الإيرانيون ويعتبرونه أمراً سيادياً.

النقطة الرابعة يجري تنسيقها أيضاً مع دول أوروبية عديدة أبدت استعدادها للتفاوض مع إيران، وقد نوقشت مقترحات كثيرة في الاجتماع الذي عقد الأسبوع الفائت في اسطنبول بين عدد من وزراء خارجية دول أوروبية وتركيا والسعودية ومصر.

مرحلة جديدة

عملياً، كان الاجتماع أكبر من كل التفاصيل، لم ينحصر في الملف اليمني والحوثيين، بل كان محاولة تأسيس لمرحلة جديدة تتجنب فيها المنطقة الحرب وتضع أسساً جديدة للتنسيق. أما تصريحات المسؤولين الإيرانيين بعده فشددت على أن طهران تمسكت بضرورة انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان واستمرار تقديم الدعم للشعب اليمني والفلسطيني واللبناني. علماً أن البيان الختامي للاجتماع لم يأت على ذكر هذا الأمر، كما لم يأت على ذكر الاتفاق حول التنسيق الأمني والدفاعي أو الأمن الإقليمي. وما اكتفى به البيان هو الاتفاق على مواصلة المحادثات.

شعور بالقوة

ستختلف التقديرات كثيراً بشأن هذه الزيارة وهذا الاجتماع. طهران ستعتبر نفسها بموقع قوة، ولا تزال قادرة على فرض شروطها. الدول الأخرى تعتبر أن ما جرى هو بمثابة الرسالة الجدية الأخيرة والفرصة الأخيرة قبل اندلاع حرب ستدخل المنطقة في أتون متفجر لن يكون أحد قادراً على ضبطه. عملياً، لا تزال دول كثيرة تبحث عن فرص لتسجيل اختراقات، وفي السياق، يأتي الاجتماع الذي سيعقد بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في موسكو. ومعروف أن روسيا تلعب دوراً جدياً بين الإيرانيين والأميركيين تماماً كما هو الحال بالنسبة إلى الدور القطري على أكثر من خط، بين إيران من جهة وأميركا ودول الخليج من جهة أخرى.

إسرائيل تستثمر

في كل الأحوال، الحرب إن وقعت أو التسوية إن نجحت، كلتاهما ستؤديان إلى تغيير وجه المنطقة وتوازناتها. نجاح التسوية يعني القدرة على بناء منظومة إقليمية متكاملة تضع حداً للحروب، وتوقف التغول الإسرائيلي. وقد تكون هناك رهانات كثيرة على نتائج الانتخابات الإسرائيلية وخسارة بنيامين نتنياهو لمنعه من استكمال مشروعه. أما في حال لم تنجح الوساطات، ومضى ترامب ونتنياهو في حربهما، فإن ذلك سيؤدي إلى تدمير إيران والمنطقة، فيما تستعد دولها للانسحاب الأميركي منها. وعندذاك، لن يسد الفراغ سوى إسرائيل التي ستستثمر في نتائج حربها الممتدة من غزة والضفة إلى سوريا ولبنان فإيران، كما ستستثمر في الصراعات والنزاعات بين دول المنطقة وما ستنتجه الحرب الإقليمية.

منير الربيع- المدن

مقالات ذات صلة