🟠 خاص – انتحار استراتيجي على رصيف المخا: كيف تحوّل الحوثيون من سلطة أمر واقع إلى لغم إقليمي؟

بعدوان جديد وترهيب مُستمر، تنقّل من استهداف مدن المملكة العربية السعودية وارتقاء شهداء، إلى قصف خطوط أنابيبها، تتوّهم جماعة الحوثي الإرهابية بأنّ تمدّدها الأخير نحو مدينة المخا و”معسكر خالد بن الوليد” في الساحل الغربي اليمني يمثّل نصراً عسكرياً، بينما هو في الحقيقة توريط كامل للجغرافيا اليمنية في محرقة دولية مدمّرة.

هذا التقدّم الميداني المقترب من مضيق باب المندب، لا يعكس تفوقاً استراتيجياً، بل يكشف القناع عن طبيعة هذه الجماعة، باعتبارها خطراً وجودياً يتجاوز النزاع الداخلي ليتحول إلى أداة لابتزاز الاقتصاد العالمي وتهديد سلامة الملاحة في البحر الأحمر.

إنّ الاندفاعة الحوثية الهستيرية لتثبيت حضور عسكري جنوباً، بالتزامن مع توجيه ضربات صاروخية غادرة استهدفت المدن والمنشآت الحيوية السعودية وأوقعت عشرات الجرحى من المدنيين، تُسقط أي ادعاء بالسيادة الوطنية، وتؤكد أن قرار هذه المجموعة مرتهن بالكامل لمحور إقليمي يستخدم جثث اليمنيين كورقة تفاوضية على طاولات الكبار.

يقابل هذا العبث الميليشياوي نهج سعودي ثابت، ينطلق من حسابات الدولة ومصالحها طويلة المدى وليس من ردود الفعل الانفعالية أو الاستعراض الإعلامي المؤقت، فالرياض، التي تمتلك ثقلاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً هائلاً، تدرك أنّ استخدام القوة ليس غاية، بل وسيلة لتحقيق ردع حاسم يمنع تكرار الاعتداءات ويحمي أمن مجتمعها بالكامل.

وإذا كان الحوثيون قد قرأوا ضبط النفس السعودي الطويل كمسافة مفتوحة للمغامرة، فإنهم يقعون في خطأ حسابي قاتل؛ فصبر الدول المستقرة له حدود ترسمها خطوط الأمن القومي الحمراء، وكل صاروخ أو مسيّرة تُطلق باتجاه أراضي المملكة لا تغير موازين القوى بقدر ما تُجهز على ما تبقى من فرص للسلام، وتعمّق حصار اليمن الاقتصادي والسياسي عبر تصديره كساحة صراع مفتوحة لا يمكن التعايش معها.

إنّ حماية السعودية لأمن حدودها الجنوبية في جازان ونجران وعسير هي مسار متلازم ولا ينفصل عن ضرورة استعادة الدولة اليمنية المخطوفة ومؤسساتها الشرعية في صنعاء والحديدة وتعز. الجغرافيا لا تسمح بفصل أمن البلدين، والمعركة الحقيقية اليوم واضحة بلا رتوش: إنها مواجهة حتمية بين مشروع الدولة الوطنية المستقلة، وبين مشروع السلاح المنفلت الذي يحوّل اليمن إلى منصة تهديد للجيران. ولن يصنع الضجيج الحوثي شرعية أو يبني مستقبلاً فوق ركام الصواريخ، بل سيعجّل في إنضاج معادلة الردع الإقليمي والدولي الكفيلة بقطع أذرع الفوضى وإعادة القرار إلى المؤسسات اليمنية الواحدة، فكلما اقترب اليمن من منطق الدولة، ابتعدت المنطقة عن شبح الحرب.

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة