🟠 خاص – ما بعد النبطية: هل تكسر الدولة حاجز العزلة مع البيئة الشيعية؟

تأتي زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى مدينة النبطية “المنكوبة”، كخطوة بالغة الأهمية والدلالة، خطوة “قمة الهرم الموجوع على أهله وناسه”.
لكن هل ستبقى هذه الخطوة مجرّد زيارة بروتوكولية، وصورة تذكارية عابرة؟، هل ستظل الدولة اللبنانية واقفة خلف ذلك الحاجز النفسي المرفوع بينها وبين البيئة الشيعية وأهل الجنوب؟، وهل كُتب على هذا العهد أنْ يظل شعاره “الموت والدمار والخراب”، حتى وإنْ كان حزب الله مَنْ استجلب هذا الويل إلى قراهم وبيوتهم؟
لو عُدنا بالذاكرة لثلاثة أو أربعة عقود، نستحضر الأيام التي نجح فيها الرئيس الشهيد رفيق الحريري في بناء جسور حقيقية للحياة والأمل بين مفهوم الدولة وبين المقاومة وحاضنتها الشعبية. أتقن حينها معادلة الدمج بين شرعية الدولة وفعل المقاومة، فكان الوحيد الذي استطاع إرساء قاعدة تضمن للحزب مساحته المقاوِمة وتكفل للدولة دورها في العمل والنهوض والنهضة الاقتصادية.
في تلك المرحلة، احتضن رفيق الحريري شباب المقاومة الحقيقيين، يوم كانت حركة وطنية لبنانية صافية الأهداف والتوجه ضد الاحتلال الإسرائيلي، وقبل أن تتحول إلى أيديولوجيا إيرانية عابرة للحدود تعمل ليل نهار على خطوط التخريب والشرذمة.
حاول الرئيس الحريري بصدق احتواء الشباب الشيعي وتوجيه طاقاتهم، فبدل أنْ تكون رسالتهم في الحياة هي الموت المجاني، أراد لها أن تكون العلم والتنوير وبناء المستقبل، وسعى إلى جذبهم لربوع “الشرعية” عبر دمجهم في سوق العمل وإعطائهم الأمان الوظيفي، ليشعروا بعمق انتمائهم ومواطنيتهم كأفراد فاعلين في دولتهم.
لكن كل تلك المساعي الإنسانية والوطنية نسفتها عبوات الاغتيال، فخرج بطش حزب الله وعقيدته الإلغائية إلى العلن، لتبدأ من تلك اللحظة السوداء حقبة أخرى؛ حقبة صعود “الدويلة الموازية” و”تآكل الدولة”، ليتفاقم الوضع أكثر في السنوات الثلاث الأخيرة حيث تبدّل النهج تماماً؛ إذ زُرعت في نفوس هذه البيئة فجوة عميقة وكراهية مستحكمة تجاه الدولة، وباتوا يتهمونها بالخيانة والغدر والعمالة، بعدما أحكمت إيران قبضتها عليهم، مستغلةً غياب الدولة واستسلامها، وعازفةً على وتر المشاعر الدينية لتجعل من نفسها البديل والراعي في زمن الانهيار والضعف الرسمي.

اليوم، وأمام منعطف تاريخي، يجد حزب الله نفسه منكسراً وتائهاً في مشروعه، ورغم مظاهر المكابرة والإصرار الجوفاء على نغمة “الانتصار بالصمود”، فإنّ المسؤولية التاريخية تفرض على الدولة اللبنانية استعادة دورها الحقيقي والملحّ.
إنّها مرحلة انتقالية حرجة يعبرها الحزب، وعلى الدولة أنْ تمد يدها مباشرة إلى هذه البيئة المنكوبة والمجروحة، لتأخذ بيدها وتشاركها معركة الإعمار والبقاء.
إنّ البيئة الشيعية تعيش حالة من الرعب الدفين والقلق الوجودي اليوم، بعد الانكسارات المتتالية للحزب وشعورها المزمن بأنّ الدولة تخلّت عنها وتركتها لمصيرها. ومن هنا يكتسب انتشار الجيش في النبطية عمقه وأمانه؛ إذ تجلّت فرحة الناس العفوية بلقاء الجيش كلحظة حنين جارف للأمان والشرعية.
الواجب الوطني والأخلاقي يفرض على الدولة احتضان هذا الشعب المجروح في أبنائه وأرزاقه ولقمة عيشه، وتأمين الدعم المالي والسياسي له من كل أقطار العالم، بعيداً عن كواليس المفاوضات السياسية التي تتكشّف يوماً بعد يوم عن أداء متخاذل للمحاورين، يظهرون فيه أقرب لتوفير الضمانات والشروط التي تريدها تل أبيب على حساب كرامة وأمن أهل الجنوب صانعي الصمود الحقيقي.
خاص Checklebanon



