🟠 خاص شدّة قلم – نفاق فوق أجساد الراحلين: هكذا تتحوّل التعازي إلى مهرجانات انتخابية؟

غريبة هي أمور أهل هذا البلد.. لاسيّما سياسيّوه وشخصياته المجتمعية.. حيث وصل بهم الأمر إلى النفاق حتى أثناء التعازي ومواراة الأموات الثرى..
أمس الأوّل كُنتُ أُؤدي واجب العزاء في أحد مساجد بيروت العريقة.. برحيل فقيد شاب هو نسيب صديق لي.. وإذ بالعزاء يتحوّل إلى مهرجان سياسي بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. فاعليات العاصمة ونوّابها من الرئيس تمّام سلام ونجله صائب.. إلى النوّاب: إبراهيم منيمنة – نبيل بدر وفؤاد مخزومي (الذي ارتدى قناع التواضع وآثر الجلوس بين المُعزين.. قبل أن يتمسّك أهل الفقيد من الدرجة الثانية.. بضرورة أن يجلس في الصف الأوّل لمتقبّلي العزاء) – إلى عضو المجلس البلدي العميد محمد الجمل وسيف سليم دياب (المرشّح الانتخابي الدائم).. وسواهم من الفاعليات العسكرية والاجتماعية والاختيارية وسواهم..

الأمر لو أخذناه من منطلق إنساني محض.. فإنّ والد الفقيد الشاب شخصية محبوبة و”خدوم” في بيئته ومُحيطه.. وله الكثير من الأفضال على الكبير قبل الصغير.. فكان أنْ أمّت الوفود الشعبية قاعة المسجد للوقوف إلى جواره.. في مُصابه الجلل الذي اختطف نجله في غفلة من عمر الزمن.. فكان العزاء صورة حقيقية عن التعاطف والوئام و”الأهلية بمحليّة” البسيطة..
لكن على المقلب الآخر من نفس العزاء.. كان المشهد انتخابياً بامتياز.. حضور النوّاب و”بروزتهم” بين مُتقبّلي العزاء.. ناهيك عن البروباغندا التي تُمارس والسلامات والصور التي تُلتقط.. تجعل الوقار وهيبة العزاء تتلاشى.. حتى كان اللافت أنّ الشيخ المُقرئ لم يكن يسترسل بالقراءة.. بل لا تزيد فترة قراءته بين الاستراحة والاستراحة عن دقيقة واحدة لا أكثر.. دون أنْ يعتمد الأساسي المُتعارف عليه.. وهو قراءة “عُشر” من القرآن الكريم ثم يتواصل تقبّل العزاء..
والأدهى من كل ذلك هو عند المغادرة.. حيث اصطف أعضاء جمعية بيروتية.. ينتمي إليها والد الفقيد.. مُشكّلين حلقة استقبال وتوديع وكأنّهم حرّاس الشرف أو أعضاء المراسم الديبلوماسية في القصر الجمهوري..

هذا المشهد أزعجني وجعلني أشعر بحالة من الاشمئزاز.. كيف يتحوّل مُصاب أليم إلى مناسبة لإبراز الحضور.. وبدء رحلة التحضير للانتخابات “برلمانية” كانت أو “اختيارية” أو حتى “اتحاد جمعيات عائلات”.. ألهذا القدر من الانحطاط وصل الحال بأهل العاصمة؟.. بل لعلَّ البيارتة استقوا هذه الحالة من الحفلات الجماهيرية.. التي يتحوّل إليها هذا العزاء أو ذاك في البلدات والقرى.. التي يعرف الناس فيها بعضهم بعضاً ويتقاربون ويتصاهرون.. فيُجتمعون على حُب لمواساة.. بينما يستغل السياسيون والأسماء المعروفة الوضع.. ويحوّلون الألم إلى نفاق مجتمعي لتشويه راحة الراحل في مثواه الأخير..
وبما أنّ ما وثّقته عيناي كان في أوّل نصف ساعة من العزاء قبل المغادرة.. فحتماً وصلت شخصيات أخرى.. لتؤدّي واجب النفاق الاجتماعي على قاعدة “شوفوني حبّوني.. وصوروني أنا وعامل حالي مش منتبه”.. إرحموا الأموات في قبورهم وتوقفوا عن إزعاجهم..
مصطفى شريف – مدير التحرير



