🟠 خاص – أيمن الأعتر… صوتٌ مظلوم أبعدته المسافة

رحاب ضاهر
يصعب الحديث عن الفنان الليبي أيمن الأعتر دون استعادة ظهوره الذي لا يُنسى في برنامج “سوبر ستار” قبل أكثر من عشرين عاماً. لم يكن الأعتر مجرّد صوت جميل بين أصوات المتسابقين، بل تُوّج باللقب بعدما خطف القلوب بصوته النقي، الذي بدا واسعاً بما يكفي لاحتضان ألوان غنائية متعددة. يومها، بدا واضحاً أنّ الساحة العربية أمام موهبة تملك مقوّمات النجومية، وأنّ هذا الصوت يمكن أن يصبح واحداً من أبرز أصوات الغناء العربي.
لكن السنوات التالية لم تأتِ بما توقعه الكثيرون، فالصوت الذي كان مؤهّلاً لأنْ يكون بين نجوم الصف الأوّل، ابتعد تدريجياً عن دائرة المنافسة، في ظل ظروف وتجارب متعدّدة، بينها السفر والاستقرار في لندن، إلى جانب تركيزه لفترة طويلة على الأغنية الخليجية.
ليس في ذلك انتقاص من الأغنية الخليجية، ولا من تجربة الأعتر فيها، فهو قدّمها بأداء جميل وتمكّن واضح، لكن هذا المسار لم يضعه في موقع المنافسة بين نجوم الخليج، كما لم يمنحه الانتشار العربي الواسع الذي كان يمكن أن يحقّقه صوت بهذه المواصفات. في المقابل، بدا اللون المصري، بما يملكه من مساحة جماهيرية وطربية واسعة، غائباً إلى حد كبير عن تجربته، ربما لأسباب لم تكن كلها بيده.
اليوم، يأتي ألبوم “لا يفوتك”، الصادر قبل أشهر، ليُعيد أيمن الأعتر إلى الواجهة، ويضع صوته أمام اختبار جديد. الألبوم يضم 15 أغنية، ويتنقل بين خمس لهجات: الخليجية، المصرية، اللبنانية، الليبية والمغربية، في محاولة واضحة لتوسيع خريطة تجربته وعدم حصرها في لون واحد.

صوتياً، يقدّم الألبوم أيمن أكثر نضجاً وخبرة. صوته الندي والعذب لا يعتمد على الاستعراض، بل على قدرته في التعامل مع الجملة اللحنيّة ومنحها إحساساً واضحاً، وهي نقطة تظل من أبرز عناصر قوته.
في الأغنيات المصرية، تبدو مساحة الأعتر أوسع. “أنساك إزاي” تحديداً تتيح له الاقتراب من اللون الطربي وإظهار إمكاناته الصوتية، بينما تُقدّم “سقف الجمال”، “رايقين” و”رقّصوه” وجوهاً أخرى من تجربته المصرية. والأهم أنّ هذه الأغنيات تؤكد أنّ اللهجة المصرية ليست بعيدة عن صوته، بل كان يمكن أنْ تحتل مساحة أكبر في مسيرته.
أما “عندي قلب” الليبية، فتأخذ الأداء إلى منطقة أكثر عفوية. هنا يبدو الأعتر قريباً من هويته، ويأتي إحساسه أكثر تلقائية، وكأنّ اللهجة تمنحه مساحة ليغني من دون أي حواجز. في المقابل، لا تبدو “مجنون متلي”، التي يعود من خلالها إلى الغناء باللهجة اللبنانية، من أقوى خيارات الألبوم. ليس بسبب أداء الأعتر، وإنّما لأنّ الكلمات واللحن كان يمكن أنْ يكونا أكثر تميّزاً، وأنْ يمنحاه أغنية تليق بصوته وتستثمر قدراته التعبيرية بصورة أفضل.
تنوّع “لا يُفوتك” يحسب له، لكنه يفتح في الوقت نفسه سؤالاً حول هوية المشروع، فبعد سنوات من التنقّل بين الألوان، لا يبدو التحدي أمام أيمن في إثبات قدرته على غناء أكثر من لهجة، بل في العثور على المساحة التي يمكن أنْ يبني عليها مشروعاً أكثر وضوحاً واستمرارية.

وهنا تحديداً يبرز اللون المصري، فبعد سنوات لم يحقّق خلالها التركيز على الأغنية الخليجية الانتشار الذي كان يمكن أن يحققه، قد يكون المصري بوابة مختلفة أمام الأعتر، بما يتيحه من مساحة جماهيرية وطربية واسعة. وإذا كان “لا يفوتك” قد أعطى لمحة عن إمكاناته في هذا اللون، فإن الرهان الحقيقي قد يكون في الذهاب أبعد منه، إلى ألبوم مصري كامل، بألحان وكلمات تليق بخامة أيمن الأعتر، يمكن أنْ يكون التجربة التي تختبر فعلاً قدرته على بناء حضور مختلف. ليس مجرّد ألبوم باللهجة المصرية، بل مشروع يعرف كيف يستثمر صوته، ويمنحه أغنيات تترك بصمة وتكشف مساحاته التي لم تُستثمر بما يكفي.
وهذا لا يعني أنّ “لا يفوتك” يحتاج إلى أكثر مما قدمه كي ينجح؛ فهو ألبوم متنوع، وفيه أغنيات جميلة تترك أثرها، إلى جانب اختيارات كان يمكن أن تكون أكثر قوة. لكن قيمته الأهم أنه يفتح الباب أمام سؤال أكبر: ماذا يمكن أن يفعل أيمن الأعتر إذا وجد المشروع الذي يوازي إمكانات صوته؟
أيمن الأعتر صوت يستحق أن تقف له احتراماً، ليس لموهبته وحدها، بل لتجربة تشبه، كما يقول المصريون “المعافرة”. فنان لم تفتح له الطريق بسهولة، ولم تمنحه السنوات ما وعدت به بداياته، لكنه ظل متمسكاً بالفن، ولم يتخلَّ عن صوته ولا عن رغبته في الاستمرار.
وربما هنا تكمن قيمة تجربته الحقيقية: أن يبقى الفنان متمسكاً بما يعرف أنه يملكه، حتى حين تتأخر الفرص. لذلك لا يحتاج أيمن اليوم إلى استعادة صورة “سوبر ستار” القديمة، بل إلى أن يبني عليها، وأن يجد الأغنية التي تقول للناس، ببساطة، لماذا كان ذلك الصوت يستحق كل هذا الانتظار.
خاص Checklebanon



