🟠الوصفة الوحيدة لمنع الأسوأ: سيناريو الإبقاء على «الطاهر»!

السيناريو الوحيد للإبقاء على «الطاهر»
واضحٌ أنّ إسرائيل حصلت على ما يشبه الضوء الأخضر الأميركي لتنفيذ عملية علي الطاهر. وفي الواقع، عَمَد نتنياهو إلى تأخير إسقاط التلة شهوراً، ليس لأنّه لم يستطع تنفيذ العملية عسكرياً، بل لأنّه أراد مراعاة دونالد ترامب بعدم حصول تفجير يعطل المفاوضات مع لبنان. فالاستفزاز الفاقع لـ»الحزب»، في مركز قيادته الميداني المحصن تحت الأرض، قد يدفعه إلى الردّ انتحارياً. وكذلك إيران، التي لها كوادرها أيضًا في الأنفاق وفق ما يتردد.
ما جرى خلال الفترة الماضية هو أنّ إسرائيل اعتمدت أسلوب الإسقاط البطيء والصامت للتلة، بما فيها ومَن فيها. ولذلك، تردّدت تقارير في إسرائيل قبل يومين مفادها، أنّ غالبية نقاط التلة باتت ساقطة، وأنّ الكثير من المقاتلين فيها لم يعودوا على قيد الحياة، ولم يبق إلّا إسقاطها تماماً «خلال أيام»، بحسب ما ورد في التقارير.
وهذه العبارة تتقاطع مع كلام السفير ميشال عيسى، عن ضرورة انتظار ما سيجري في علي الطاهر خلال «اليومين المقبلين». بل إنّ إسرائيل، على ما تردّد في بعض إعلامها، أبلغت واشنطن أنّ الجيش اللبناني لا يقوم بأي دور فعلي لتنفيذ الاتفاق معها والمتعلق بنزع سلاح «حزب الله»، وأنّه فشل في هذه المهمّة، ومعه فشل مشروع المناطق التجريبية. وإذا كان ذلك صحيحاً، فمعنى ذلك أنّ على واشنطن تقع مسؤولية القول: هل إسرائيل تورد تقارير صحيحة أم لا؟ وإذا كانت صحيحة، فعلى واشنطن أن تقرّر كيفية التعاطي مع هذا الأمر: هل تسمح لإسرائيل بأن تمضي في تصعيد عملياتها العسكرية جنوباً، حيث عمدت حتى اليوم إلى ضمّ نحو 10 قرى إلى داخل منطقة «الخط الأصفر»، وهي تستعد لضمّ المزيد؟ لم يعلن الأميركيون مباشرة موقفهم مما يجري في الجنوب، لكن سفيرهم في لبنان ميشال عيسى تعمّد في الأيام الأخيرة توجيه رسائل واضحة، من شأنها أن تبلور ما يجري بين الأميركيين وإسرائيل.
قال عيسى عبارة يجدر التوقف عندها والتفكير فيها ملياً: «أنتم تطلبون دائماً من إسرائيل أن تلتزم، ولكن هل طلبتم يوماً من «حزب الله» ذلك؟». وكان الرجل واضحاً بتكرار العبارة: إذا لم يلتزم «حزب الله» فلن نرى أي خطوة تتحقق في الجنوب. يعني هذا أنّ واشنطن بدأت تقتنع من إسرائيل أو تتماهى معها في ما تفعله جنوباً. وهذا تحديداً ما أورده الإعلام الإسرائيلي قبل يومين: أبلغنا واشنطن أنّ الجيش اللبناني فشل في مهمّة نزع سلاح «حزب الله»، فهو لم يتقدّم خطوة واحدة في هذا الاتجاه، وأنّ مشروع المناطق التجريبية قد فشل. ويبدو من خلال المواقف السياسية وما يجري على أرض الجنوب، أنّ واشنطن باتت أكثر توافقاً مع إسرائيل في هذه المسألة، وهي ربما لم تمنحها الضوء الأخضر للقيام بتفجير واسع، لكنها على الأقل «تتفهم» حاجة إسرائيل وتبريراتها لما تفعله. والأمر يعني خصوصاً إسقاط علي الطاهر، وهذا ما يفسره تقاطع الكلام الصادر عن عيسى والإسرائيليين في هذا الشأن. خلال الأشهر الماضية، لم يضيع نتنياهو وقته.
فبالإضافة إلى ضمّ القرى والسيطرة على قرى أخرى بالنار، هو قام بتحويل مناطق شاسعة إلى أرض محروقة لا يمكن أن تصلح للحياة إلّا بعد سنوات، إذا سُمح بذلك. ولكنه أيضاً اعتمد أسلوب الخنق في علي الطاهر. ويقول الإسرائيليون في إعلامهم، إنّ غالبية المواقع في التلة تمّ تدميرها، كما أنّ أعداداً كبيرة من المقاتلين قضوا هناك، ما يعني أنّ نتنياهو قام بـ«طبخ» عملية إسقاط علي الطاهر بهدوء وصمت، بحيث إنّها تحتاج فقط إلى الفصل الأخير الذي ربما لا يدوم سوى أيام قليلة.
لكن المأزق الأكبر سيكون في احتمال لجوء «حزب الله» إلى خوض معركة دفاعية شرسة عن التلة، باستخدام القمم الأكثر ارتفاعاً في المنطقة، وهي كثيرة وبعيدة المدى. وإذا حصل ذلك، فإنّ إسرائيل ستنال ذريعة لطالما انتظرتها للتوسع والسيطرة على تلال إقليم التفاح كلها وجبل الريحان وصولاً إلى المثلث الشهير في أعالي كفرحونة، حيث تتصالب الاتجاهات نحو جزين ومرجعيون والبقاع الغربي. والعودة إلى هذا المثلث تعني عودة إسرائيل في الجنوب إلى ما قبل العام 2000. سيكون خطأ فادحاً إيقاع الجنوب مجدداً في قبضة إسرائيل بتغطية أميركية أو تساهل. فاللحظة دقيقة جداً وتاريخية. ليس هناك ما ينقذ علي الطاهر وجبال الإقليم والريحان، ويفتح الباب لمخارج تنهي السيطرة الإسرائيلية على «المنطقة الصفراء» جنوباً، سوى تسليم «حزب الله» سلاحه وقراره إلى الجيش اللبناني.
هذه الخطوة، إذا تحققت، هي الوصفة الوحيدة لمنع الأسوأ. وفي الواقع، سلاح «الحزب» لم تعد له أي جدوى في مواجهة إسرائيل، بل هو المبرر لتوسيع سيطرتها. وإذا سلّمه إلى الجيش وتحول «حزب الله» مكوناً سياسياً «طبيعياً» في داخل الجسد اللبناني، فربما يمكن للبنان أن يكسر ذرائع إسرائيل، ويضع واشنطن أمام مسؤولياتها: أولاً لمنع توسع سيطرة إسرائيل، وثانياً لبدء مسار وقف النار والانسحاب انطلاقاً من علي الطاهر. فالفرصة ما زالت سانحة، والقرار في يد «الحزب»: هل يسلّم سلاحه والأرض والكرامة إلى الدولة، أم يفضّل أن تستبيح «طهرها» إسرائيل؟
طوني عيسى-الجمهورية



