🟠من البيت الأبيض كانت البداية…واشنطن والحزب: حوار أم جسّ نبض؟

واشنطن وحزب الله: حوار أم جسّ نبض؟

 

ما المقصود من الموقف الأميركي المتكرر عن الرغبة بالانفتاح على حزب الله والحوار معه؟ من البيت الأبيض كانت البداية. يعلن دونالد ترامب رغبته في التحدث إلى حزب الله، ويصفهم بأنهم أناس طيبون، ثم يتحدث سفيره في لبنان ميشال عيسى عن حوار شرطه أن يسلّم حزب الله سلاحه، و”ما طالبين منه شي زيادة”.

إذا كان تسليم السلاح شرطًا يسبق الحوار، فما الذي يبقى للتفاوض عليه؟ وهل المطلوب فعلًا فتح قناة مع حزب الله، أم إبلاغه بالشروط الأميركية مباشرةً بدلاً من تمريرها عبر الوسطاء؟ أهمية الكلام الأميركي لا تكمن، حتى الآن، في احتمال انعقاد لقاء قريب، بل في انتقال فكرة التواصل مع الحزب من دائرة المحظور إلى دائرة التداول العلني.

من جانب حزب الله، برز مؤشّران لافتان: تصريح محمود قماطي، وهو عضو في المجلس السياسي في الحزب، بأن أبواب الحوار مع واشنطن قد تُفتح في وقتها، فضلًا عن وجود السيد عبد الله صفي الدين إلى جانب الوفود التي كانت تتفاوض مع واشنطن في إيران.

مجرد الحديث عن الأمر مدعاة استغراب، ويعني أن الفيتو على حدث كهذا مرفوع من كلا الطرفين. والمستغرب أن تطلب واشنطن حوارًا مع حزب صنفته إرهابيًا، وحاصرته ماليًا، وبات محظورًا سياسيًا، ومعاقَبًا من يتعاطى معه. كيف لدولة تعاقب حزبًا ثم تعرض الحوار معه؟

نقاش داخل الحزب حول العلاقة مع واشنطن

يسأل حزب الله عن السبب الذي يجعل واشنطن مستعدة للحديث معه، رغم اعتباره أن ما قاله عيسى لا يقدّم ولا يؤخّر. لا يستوقفه ما قاله عيسى، كما لم يُعر ما قاله الرئيس الأميركي دونالد ترامب اهتمامًا، واعتبره كلامًا عابرًا لا يُركن إليه، لكنه اعتراف بوجوده وحيثيته ودوره السياسي.

لكن هذا الحذر الظاهر لا يلغي وجود نقاش داخل الحزب بين اتجاهين في مقاربة الدعوات الأميركية. يرى الاتجاه الأول أن من الخطأ إغلاق الباب مسبقًا، ويدعو إلى اختبار جدية واشنطن والاستجابة لأي دعوة واضحة إلى الحوار، انطلاقًا من أن التفاوض لا يعني تقديم تنازلات، وقد يتيح للحزب عرض موقفه مباشرةً بدل تركه عرضةً للتأويل أو النقل عبر الوسطاء.

في المقابل، يرفض اتجاه آخر مبدأ الحوار في الظروف الحالية، ويعتبر أن واشنطن لا تبحث عن تفاهم، بل عن قناة تتيح لها انتزاع ما عجزت عن فرضه بالضغط والحرب. ويحاذر هذا الاتجاه خصوصًا من أن يكون هدف الانفتاح الأميركي إبعاد حزب الله عن إيران، وفكّ ارتباطه بمسارها التفاوضي، ثم الاستفراد به لبنانيًا بعد تجريده من عمقه الإقليمي وأوراق قوته.

وبين الاتجاهين، تحرص قيادة الحزب على عدم إغلاق الباب نهائيًا، من دون أن تمنح واشنطن جوابًا إيجابيًا أو التزامًا مسبقًا. فهي تريد أولًا أن تعرف: هل المعروض حوار سياسي فعلي، أم مسار يبدأ بطلب تسليم السلاح وينتهي بمحاولة تغيير موقع الحزب وهويته وتحالفاته؟

يقول الحزب: “إن عيسى يريد أن يقدّم حزب الله شيئًا ليتحدث معه، في حين أنه هو عليه أن يقدّم أشياء ليفكر الحزب بالحديث معه». ويرفض، عبر مصادره، «التحدث مع طرف لا يغيّر سلوكه في الانحياز لصالح إسرائيل، وتخطّى العدوان الإسرائيلي على لبنان، ودفع باتجاه اتفاق إطار بما يتضمنه من تنازلات، من دون تحقيق وقف للنار”.

حوار مع فصل تابع للحرس الثوري؟

ويسأل: “كيف يمكن أن يطلب الحديث معنا ونحن فصيل إيراني تابع للحرس الثوري؟ وما الغاية التي يريدها؟ هل لأنه عجز عن خلق فتنة في الداخل اللبناني كانت تدفع إسرائيل في اتجاهها من خلال موقف الثنائي الشيعي، الذي يتجنب حتى الآن استخدام الشارع في مواجهة اتفاق الإذعان الذي فرضته أميركا ووافقت عليه السلطة في لبنان؟ وهل تسعى الولايات المتحدة، بالحديث مع الحزب، إلى فك الارتباط بين لبنان ومسار إسلام آباد، الذي يؤكد حزب الله أنه السبيل الوحيد لتحقيق المطالب التي ينادي بها لبنان، وعدم استفادة لبنان من أوراق قوة إيران في المفاوضات، لا سيما ملف مضيق هرمز والموقف الإيراني المصرّ على وقف الحرب في كل الجبهات قبل أن يتم فتح المضيق، وهذا ما أعلنته رضائي في مقابلتها الأخيرة؟.

بعيدًا من الرأي السياسي، فإن الوقائع تقول إن حزب الله تلقى إشارات من بعض الدول ومن بعض الشخصيات الوسيطة حول إمكانية ترتيب لقاء قريب مع موفدين أميركيين، كما أن السفير عيسى ذاته، وفي لقاء مع بعض الشخصيات السياسية والإعلامية، أبدى استعداد بلاده للتحدث مع الحزب. فضلاً عن رسائل استفسار عن العلاقة مع الحزب كان قد تلقاها مسؤول أمني من وفود استخباراتية وأمنية، سألته عن إمكانية التشاور المباشر مع حزب الله.

محاولات فصل الحزب عن إيران

كل ما يتلقاه حزب الله، بالتواتر أو عبر رسائل مباشرة، يعتبره بمثابة ذرّ للرماد في العيون، وتبرئة لأميركا من مسؤولياتها عن كل العراقيل التي تختلقها إسرائيل لمنع تقديم أي خطوة تجاه لبنان، وبمثابة مناورة ليظهر نفسه منفتحًا على المعالجة، في حين أن التجربة تقول إن الأميركي لم يلتزم بضمانات عام 2011، كما لم يلتزم تطبيق اتفاق الإطار من قبل إسرائيل، كما عطّل ترامب الاتفاق مع إيران.

يقول حزب الله، سواء أكان ذلك في إطار اتفاق تشرين الذي لا يزال قائمًا، أو اتفاق الإطار، إن واشنطن لم تقدّم للبنان أي شيء، حتى المنطقة التجريبية التي لم تتجاوز مساحة ما ادّعت إسرائيل أنها قدمته مقابل هذا الاتفاق نصف قرية كانت محتلة في الجنوب. وإذا لم يغيّر الأميركي سلوكه، فموضوع الحوار أو الحديث معه غير قابل للنقاش من جانب حزب الله.

العلاقة مع بري مختلفة

وتختلف العلاقة بين واشنطن ورئيس مجلس النواب نبيه بري عن العلاقة مع الحزب. موقع بري وخصوصيته يجعلان منه محور التعاطي الأميركي مع الشيعة. وتريده أميركا قريبًا من رئيس الجمهورية جوزاف عون ومطلعًا على كل ما يجري. وتستفيد منه في الضغط على حزب الله، وتعتبره مرجعًا للمقترحات إلى حزب الله، لكن بري يحاذر في الالتزام أو منح أي تعهّد، لا سيما في الموضوع الإسرائيلي، لكنه ينقل حصيلة ما يطرحه الأميركيون على حزب الله.

في الخلاصة، واشنطن لم تغيّر موقفها من حزب الله، كما أنَّ الحزب لم يغيّر موقفه منها. الذي تغيّر، حتى الآن، هو لغة التخاطب وحدها: انتقلت فكرة التواصل من المحظور إلى جسّ النبض العلني.

الولايات المتحدة تريد حواراً يبدأ من النتيجة التي تسعى إليها، أي تسليم السلاح وفصل الحزب عن إيران، فيما يريد حزب الله حوارًا يبدأ من تغيير السلوك الأميركي تجاه إسرائيل ووقف العدوان والانسحاب. ولذلك يدعو كل طرف الآخر إلى طاولة يضع لها شروطًا تجعل الوصول إليها متعذّرًا.

وقد تكون إيران القناة الوحيدة القادرة على ردم جزء من هذه الهوّة. فإذا فُتح مسار تفاوضي جدي بينها وبين واشنطن، أمكن أن يمرّ ملف حزب الله من خلاله، مباشرة أو بالواسطة. أما قبل ذلك، فالكلام المتبادل ليس حوارًا بعد، بل رسائل متقاطعة إلى إيران وإسرائيل والداخل اللبناني، واختبارٌ لما إذا كان الزمن قد حان لفتح باب ظلّ مغلقًا طويلًا.

غادة حلاوي- المدن

مقالات ذات صلة