🟠 خاص – متى صار طلاق د. فود وشروق خبراً يستحق كل هذا الركض الإعلامي؟

رحاب ضاهر

السؤال ليس عن الرجل والمرأة، ولا عن زواجهما ولا طلاقهما. فهما فتحا حياتهما للتجارة، والإعلام فتح لهما السوق. وكلّما كشفا تفصيلاً من حياتهما الخاصة، وَجَدَا مَنْ يشتريه خبراً، وكلّما ارتفع منسوب الفضائح والخصومات، ارتفع معه منسوب التغطية؛ وهكذا تماديا؛ لأنّهما لم يجدا إعلاماً يقول: كفى، بل وجدَا إعلاماً يقول: المزيد.

المشكلة إذن ليست في شخصين قرّرا تحويل حياتهما إلى “محتوى هابط”، بل في منظومة إعلامية  أكثر هبوطاً، قرّرت أنْ تشتري هذا المحتوى وتعُيد بيعه للجمهور حتى يصبح الابتذال خبراً، والخصوصية سلعة، والخلاف الشخصي مادة جماهيرية.

المشكلة ليست في أنْ ينشر موقع فني خبراً عن انفصال شخصيتين معروفتين. هذا جزء من طبيعة الصحافة الفنية، بل المشكلة تبدأ عندما تتحوّل القصة إلى “سباق مُهين: مَنْ ينشر أوّلاً؟، مَنْ يقتنص تصريحاً؟، مَنْ يعثر على صورة؟، مَنْ يستخرج منشوراً قديماً؟، مَنْ يُفسّر نظرة، مَنْ يقرأ تعليقاً، ومَنْ يكتشف سرّاً جديداً في قصة لا تستحق أصلاً كل هذا الاستنفار؟

هنا لا يعود الإعلام ناقلاً للخبر، بل يصبح شريكاً في تضخيمه. والأكثر إزعاجاً أنّ بعض وسائل الإعلام تتصرّف وكأنّها اكتشفت كنزاً صحفيّاً. عناوين متلاحقة، “عاجل”، “حصري”، “أول تعليق”، “تفاصيل جديدة”، “مصدر يكشف”، ثم عشرات المواد التي تُعيد تدوير الجملة نفسها بأشكال مختلفة. لا جديد في القصة، لكن ماكينة النشر يجب أنْ تستمر؛ لأنّ الفراغ أصبح أخطر من التفاهة نفسها، وهكذا تنقلب العلاقة رأساً على عقب.

كان الإعلام، في زمن أقل جنوناً بالمشاهدات، هو الذي يمنح الشخصيات العامة مساحة الظهور، ويقرّر أي قصة تستحق أنْ تصبح خبراً. أما اليوم، فالمعادلة تبدّلت: صانع المحتوى يُطلِق الإشارة، والمنصّة تلتقطها، والمواقع تركض خلفها، ثم يأتي الإعلام ليتولّى مهمّة تضخيمها وتكرارها حتى تبدو القصة وكأنها حدث عام. أي أنّنا وصلنا إلى لحظة لم تعد فيها بعض وسائل الإعلام تسأل: هل هذا خبر مهم؟، بل تسأل سؤالاً أكثر بؤساَ: “هل سيجلب هذا الخبر مشاهدات؟”.

هنا تحديداً تكمن الكارثة، لأنّ الإعلام حين يقيس قيمة الخبر بعدد المشاهدات فقط، يتخلّى تدريجيّاً عن وظيفته. يصبح الجمهور هو المحرّر، والخوارزمية هي رئيس التحرير، والأكثر إثارة هو الأكثر أولوية، مهما كان تافهاً أو مُبتذلاً أو خالياً من أي قيمة معرفية.

لا أحد يطلب من الصحافة الفنية أنْ تصبح نشرة سياسية أو أكاديمية. الفنّانون والمشاهير جزء من المشهد العام، وحياتهم المهنية والشخصية قد تكون مادة صحافية مشروعة، لكن هناك فارقاً بين “خبر فني” وبين تحويل الحياة الخاصة إلى صناعة محتوى، وبين متابعة حدث وبين تحويله إلى مسلسل يومي لا ينتهي.

المفارقة أنّ الإعلام يفعل ذلك، ثم يشتكي من “انحدار الذوق العام”، أي ذوق عام نتحدث عنه، حين تضع عشرات المواقع خبراً تافهاً في الواجهة، وتدفعه إلى “الترند”، ثم تعود لتقول إنّ الجمهور لا يريد إلا التفاهة، فهي لا تصف الواقع بقدر ما تشارك في صناعته.

الجمهور ليس بريئاً تماماً، بالطبع. هناك مَنْ يضغط ويشاهد ويتابع، لكن الإعلام الذي يملك أدوات الاختيار لا يستطيع أنْ يختبئ دائماً خلف حجّة “الجمهور يريد”، فالجمهور يستهلك ما يوضع أمامه أيضاً، وما يتكرّر أمامه يصبح، مع الوقت، مألوفاً، وما يصبح مألوفاً يبدأ في اكتساب قيمة لا يستحقها. وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: “هل أصبح الإعلام أداة في يد التفاهة بدل أنْ تكون التفاهة هي التي تركض خلف الإعلام؟”.

ولأنّ المشهد الحالي يقول ذلك بوضوح، يكفي أنْ يُطلِق أحدهم تصريحاً مُستفزّاً أو ينشر صورة ملتبسة أو يعلن انفصالاً، حتى يبدأ سباق المواقع. لا يحتاج إلى تحقيق، ولا إلى مشروع، ولا إلى إنجاز، ولا حتى إلى خبر حقيقي بالمعنى الصحافي. يكفي أن يعرف كيف يشعل فضول الجمهور. والإعلام، بدل أنْ يقول: “هذه قصة شخصية لا تستحق كل هذا”، يفتح لها الصفحة والمنصة والعنوان العريض، ثم يتساءل لماذا تراجعت هيبته.

الإعلام لا يفقد قيمته لأنّ المشاهير أصبحوا أكثر حضوراً، بل يفقدها عندما يتنازل بنفسه عن دوره، ويقبل بأنْ يُحدّد له المشاهير والمنصات والخوارزميات ما الذي يستحق أنْ يكون خبراً، عندها لا يعود الإعلام مَنْ يصنع قيمة الخبر، بل يصبح مجرد ماكينة لإعادة تدوير ما يلقى إليه.

هذه ليست مشكلة “دكتور فود” أو شروق وحدهما، ولا مشكلة طلاقهما أصلاً. إنّها مشكلة إعلام قرّر أن يربح المشاهدة بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو آخر ما تبقى من هيبة المهنة.

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة