🟠 خاص – “مثلث مكة” وهندسة الردع الإقليمية: أين مصر؟

حين وقّعت الرياض وأنقرة وإسلام آباد على “اتفاق مكة للدفاع المشترك”، اندفعت دوائر التحليل السياسي نحو قراءة أبعاد هذه اللحظة المفصلية، في محاولة لاستشراف الغايات والتحولات التي تحرّك هذا الحلف الجديد، ففتح بين عشيّة وضحاها باب واسع من التساؤلات حول ما إذا كنّا أمام تشكيل حقيقي لـ”محور ردع إسلامي” يقف في وجه التمدّد الإيراني، أم مجرّد تحرّك ممتد الظلال تستفيد منه الصين لكسر المخطّطات الأميركية في المنطقة، أو مواجهة محاولات التوسّع الإسرائيلي بالحرب أو بالاتفاقات الإبراهيمية.

غير أنّ السؤال الأهم والأكثر إثارة للجدل بين هذه القراءات، ظلَّ يتصل بغياب القاهرة عن هذا التكتّل الدفاعي البارز، وهو الغياب الذي يُفصِح عن تمايز واضح في العقائد العسكرية والأولويات الاستراتيجية بين الفرقاء الإقليميين.

وبما أنّ السعودية تُدير اليوم خارطة تحالفات استراتيجية مُعقّدة لا تتواجد فيها مصر بشكل عسكري مباشر، فإنّ هذا “الابتعاد المصري” يعكس انسجاماً تاماً مع العقيدة العسكرية الحالية للقاهرة، والتي تضع في أولوية اهتماماتها التهديدات المباشرة الصادرة عن إسرائيل، إلى جانب تصديها للمجموعات المسلحة في البحر الأحمر التي يصب نشاطها بالتالي في خدمة المصالح الإسرائيلية.

“مصادر ديبلوماسية مطلعة” اعتبرت أنّ “المؤسّسات المصرية تتعامل بكثير من الحذر مع بنود الاتفاقية”، لاسيما الأبعاد الدستورية الناجمة عن بند “الدفاع المتبادل”، والذي يقضي بأن أي هجوم على دولة عضو يعتبر هجوماً على الجميع.

لذلك تفضل القاهرة الحفاظ على مرونة سياستها الخارجية والعسكرية وتجنّب الانخراط في تحالفات ذات أبعاد جيوستراتيجية معقدة قد تكبل قرارها المستقل أو تورطها في نزاعات إقليمية إضافية، فتكتفي في الوقت الراهن بالتنسيق والتشاور عبر الأطر الرباعية والعلاقات الثنائية المتميزة مع الرياض وأنقرة وإسلام آباد دون الاستعجال بالتحول إلى شراكة دفاعية كاملة.

في المقابل، يبدو أنّ “اتفاق مكة للدفاع المشترك” ينطلق من توجّه مغاير يركّز في المقام الأوّل على التهديدات الناجمة عن التنافس الجيوسياسي مع إيران، سواء في مضيق هرمز أو باب المندب، مستهدفاً المجموعات المسلّحة الإقليمية المرتبطة بها في اليمن والعراق، لحماية البنى التحتية والمشاريع الاقتصادية الحيوية.

في الوقت ذاته، يسعى “اتفاق مكة الثلاثي” إلى صياغة معادلة ردع إقليمية حاسمة تشبه إلى حد كبير النموذج المعمول به في “حلف الناتو”، بحيث يمنح هذا التكامل المحور الجديد مظلة استراتيجية كبيرة تمنع أي طرف إقليمي من تجاوز الخطوط الحمراء، وتكرس مظلة حماية جماعية تتجاوز الترتيبات التقليدية في المنطقة.

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة