🟠خاص: «لبنان الذي ترونه في المقاهي… ولبنان الذي لا ترونه»!

قد يرى أيّ شخص لبنان اليوم من خلال شاشات التلفزة، أو يزوره لبضعة أيام، فيجد المطاعم ممتلئة، والمقاهي تعجّ بالناس، والحجوزات ممتدة لأسابيع، فيظنّ أن الحياة عادت إلى طبيعتها، وأن لبنان يعيش موسمًا سياحيًا مزدهرًا، وأن الأمور بخير.
وهو مشهد حقيقي… لكنه ليس كل الحقيقة.
فاللبناني المقيم ينظر إلى هذه الصورة من مكان مختلف. يفرح حين يرى السائح والمغترب في بلده، ويفرح أكثر حين يرى لبنان قادرًا، رغم كل شيء، على استقبال الناس ومنحهم أيامًا جميلة. فمجرد أن يأتي أحد إلى لبنان اليوم هو دليل على أن هذا البلد، رغم كل ما مرّ ويمرّ به، ما زال يحتفظ بجاذبيته وبمكانته.
لكن اللبناني الذي يعيش هنا لا يملك رفاهية أن يرى لبنان من طاولة مطعم فقط.
هو يستيقظ كل يوم على سؤال جديد: ماذا سيحدث اليوم؟ هل هناك مواجهة؟ هل هناك ضربة؟ ماذ عن “علي الطاهر”..هل سيبقى الوضع هادئًا؟ هل ستصل الحرب إلى منطقة جديدة؟
وبينما قد يكون السائح أو المغترب قد حجز طاولة في مطعم منذ أسابيع ليقضي أجمل أمسية، يكون اللبناني في الوقت نفسه منشغلًا بحجز مكان لابنه في المدرسة، أو بتأمين فاتورة الكهرباء، أو فاتورة المولد، أو مصاريف الشتاء والتدفئة، أو بتدبير ما تبقّى من راتبه حتى نهاية الشهر.
هذه هي الصورة الأخرى التي لا تظهر دائمًا على الشاشات.
لا نقول ذلك لنفسد فرحة السياحة، ولا لننتقص من أي سائح أو مغترب اختار لبنان وجهة له. بالعكس، نحن نريد أن يأتي الجميع، وأن تمتلئ الفنادق والمطاعم والمقاهي، وأن تعود الحياة إلى كل شارع ومدينة وقرية. فهذا البلد يستحق الحياة، ويستحق أن يُرى بوجهه الجميل.
لكن المطلوب فقط أن نكون دقيقين في قراءة المشهد.
امتلاء المطاعم لا يعني أن اللبنانيين جميعًا بخير.
ازدحام المقاهي لا يعني أن الأزمة انتهت.
والحياة الليلية لا تعني أن الخوف غادر البيوت.

لبنان اليوم يعيش صورتين في الوقت نفسه.
صورة يراها القادم من الخارج: مقاهٍ مزدحمة، مطاعم مكتظة، موسيقى، سهر، بحر، ضحكة، وحياة.
وصورة يعيشها اللبناني المقيم: قلق، أعباء، فواتير، مدارس، كهرباء، طاقة، غلاء، وانتظار دائم لما قد تحمله الساعات المقبلة.
والحقيقتان لا تتناقضان.
فأن يفرح اللبناني بعودة السياح لا يعني أنه لا يتألم. وأن تمتلئ المطاعم لا يعني أن كل البيوت مرتاحة. وأن يستمتع القادم إلى لبنان بأجمل أيامه لا يعني أن اللبناني الذي استقبله يعيش الأيام نفسها.
لذلك، اقتضى التوضيح والتدقيق.
لا تحكموا على لبنان من صورة مقهى مزدحم، كما لا تحكموا عليه من صورة شارع فارغ.
فبين الطاولة المحجوزة منذ أسابيع، وبين فاتورة الكهرباء التي تنتظر الدفع، يعيش لبنان الحقيقي… لبنان الذي لا ترونه..

ايمان ابو نكد- رئيسة التحرير



