🟠خاص شدة قلم – حين تتحدّث الموزة: هل سرقت شاشات الهواتف أضواء دراما التلفزيون؟!

خلف شاشات الهواتف الزرقاء.. ينمو اليوم عالم موازٍ لا يحكمه منطق.. لكنه يملك قوة جذب مرعبة للمتابع المعاصر.. تبدأ الحكاية بـ”Reel” عابر تظهر فيه تفاحة بملامح بشرية تثير رعب زوجها “الموزة”.. أو ماسة برّاقة تزف إلى ياقوتة لينجبا طفلاً ذهبياً.. وسرعان ما تنكشف خيوط خيانة زوجية تعصف بمملكة الفواكه أو الأحجار الكريمة.

هذه “الفانتازيا” المفرطة في التركيز على ثالوث “العشق، الخيانة، والحرام”.. لم تكن سوى البوابة الصاخبة لظاهرة أكبر.. إذ تطوّرت الفكرة سريعاً لتتحوّل إلى مسلسلات كاملة الأوصاف.. تُعيد إنتاج صراعاتنا البشرية اليومية.. من “الحماة السيئة والكنّة الشريرة”.. إلى “السلفة الحاقدة والأب الغدّار”، وصولاً إلى إحياء حكايات “ألف ليلة وليلة” وقصص الشاطر حسن وعروس البحور.

لكن رغم البهرجة البصرية والبراعة الظاهرية التي توفرها أدوات الذكاء الاصطناعي.. إلا أنّ المتأمل في هذه الفيديوهات يصطدم بـ”ركاكة إخراجية مضحكة”.. تعكس عجز الآلة عن الحفاظ على ذاكرتها البصرية.. فيظهر البطل شاباً وسمياً بشعر طويل.. ليتحول في اللقطة التالية مباشرة إلى شعر قصير.. وترتدي الفتاة نظارات طبية تختفي في جزء من الثانية دون مبرّر درامي.

أما التداخل المشهدي فحدّث ولا حرج.. أبواب تُفتح نحو الداخل وهي مخصّصة للخارج.. وأشخاص يركبون السيارات ويخرجون منها دون عناء فتح الأبواب وكأنهم أشباح عابرة.. فضلاً عن تخبّط صوتي ولغوي صارخ.. إذ ينطق المجني عليه بما كان يجب أنْ يقوله الجاني.. ويخرج صوت أنثوي رقيق من جسد رجل ضخم.. وتتقاطع اللهجة المصرية فجأة مع الأردنية أو الخليجية واللغة الفصحى دون أي سياق منطقي.

رغم كل هذه العيوب الهيكلية الفنية، يثور تساؤل جوهري.. ما سر ارتباط الناس بكثافة بهذه القصص المكرّرة.. وشغفهم بمتابعتها داخل كل بيت؟!.. الإجابة تكمن في “سيكولوجية المتلقّي الجديد”.. فالإنسان بطبعه “كائن حكواتي” يتشوّق لـ”اللت والعجن”.. وللقصة الصادمة والسريعة التي تمنحه جرعة “دوبامين” فورية.. دون الحاجة إلى انتظار مُقدّمات درامية طويلة.. وهو ما استغلّه صنّاع هذه المقاطع بـ”مداعبة الفضول البشري”.. عبر الفضائح العائلية المشوّقة والفانتازيا البصرية.

مع هذا الاختراق السريع نسأل وبجدية: هل نحن أمام عصر جديد من الدراما؟!، وهل ستسحب هذه المقاطع القصيرة.. مع القادم من الأيام البساط فعلياً من تحت أقدام الدراما التلفزيونية التقليدية.. التي باتت تعاني من التمطيط والملل والإنتاج المكلف؟!

في النهاية، تثبت هذه الظاهرة “حقيقة واحدة” لا يمكن تجاوزها.. مهما بلغت قوّة الآلة أو ضعفها في التنفيذ.. ومهما تبدّلت التكنولوجيا.. فإنّ الابتكار الأوّل لا يمكن أنْ يولد من رحم العدم.. ليظل العقل البشري هو “المايسترو الخفي” و”المهندس الأوّل للعملية الإبداعية”.. فهو مَنْ يبتكر الفكرة.. ويصنع الحبكة.. ويحدد أسس التنفيذ والتوجيه.. وما الذكاء الاصطناعي إلا ريشة طائشة.. تعجز عن رسم لوحة واحدة مفهومة أو إيصال فكرة مترابطة.. ما لم تحرّكها أنامل إنسان يعرف جيداً خبايا النفس البشرية وماذا يريد الجمهور أن يرى ويسمع!!

مصطفى شريف – مدير التحرير

مقالات ذات صلة