🟠 خاص – هروب جماعي أو إعدام للغد؟ اللبنانيون بين حقائب السفر وسجن البقاء

حين يُسارع 64% (تقريباً)* من شباب البلد نحو بوابة المغادرة، إما بحقائب حزموها بالفعل أو بخطط يرسمونها في العتمة، فنحن لا نتحدّث عن أرقام إحصائية باردة صاغها استطلاع رأي، بل عن إعلان إفلاس أخلاقي وسياسي تام.
تجرؤ المنظومة القائمة على تسمية هذا الشتات الجماعي “سعياً خلف الرزق”، في محاولةً لاختزال الفاجعة بأرقام الحسابات البنكية أو تراجع الأجور، بينما الحقيقة الأشد قسوة هي أنّ المغادرة هنا هي صرخة كفر بالنظام بأكمله.

الهجرة لم تعد مجرّد تفكير في تحسين الدخل، بل أصبحت قراراً ناتجاً عن انعدام الأمان، وانسداد أفق المشاركة، وانعدام الثقة في غدٍ تتلاطم فيه أوهام التعافي. فما يطرد جيلاً كاملاً ليس فقط انكماش الفرص أو انعدام الخدمات الاجتماعية الأساسية، بل القمع الضمني الذي يحرمهم من حق صناعة القرار، وتداعيات حروب ونزاعات تُفرض عليهم دون أن يكون لهم فيها رأي.
والأدهى من ذلك، هو تلك اللعبة الخبيثة التي تُمارس على مَنْ تعذّرت عليهم المغادرة؛ فبينما يظل بعضهم متمسّكاً بروابط عائلية أو بقايا أمل في التغيير، يُحكَم الخناق على الفئة الأكبر منهم لأنّهم ببساطة لا يملكون كلفة التذكرة ولا أبواب التأشيرات، فيتحوّل البقاء في هذه الحالة من خيار نضالي أو انتماء عاطفي إلى سجن قسري فرضه العجز المادي.

إنّ الجيل الذي يطالب اليوم بفرص عمل حقيقية، وخطط إعمار واضحة، ومؤسّسات تستعيد أدنى درجات الثقة، لا يطلب المستحيل، بل يطالب ببديهيات الحياة، لكن حين تصم السلطة آذانها عن هذه البديهيات، تتحول الهجرة من خيار فردي إلى الرد الجماعي الأخير على وطن يُصرّ على اقتلاع أبنائه من جذورهم.
خاص Checklebanon
- الرقم الوارد في مطلع المقال مُستمد من تقرير أعدّته (LADE) “الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات”، وهي منظمة غير حكومية، وغير ربحية.



