🟠 خاص – اختصاصية التغذية رنا أبو مراد: نظام الطيّبات” ساعد الكثيرين.. لكن أي نظام يتّجه نحو “التطرف الغذائي” لا يُعمّم!

قبل اتباع أي حمية.. اسألوا عن الدليل العلمي ومدى ملاءمتها لصحتكم

الصحة رحلة توازن.. والتغذية علمٌ لا موضة

لا يوجد نظام غذائي سحري يناسب جميع الناس

الاعتدال والتوازن أساس التغذية الحديثة.. والحرمان يولّد الخلل

احذروا الانجرار وراء الوعود السريعة و”الترندات” الوهمية

في عالمٍ يغرق بإنتاج الوجبات السريعة، وتكثر التوجّهات الغذائية الصاخبة على منصات التواصل الاجتماعي، تصبح العودة إلى نبع الصحة الواعية ضرورة ملحة لا رفاهية. فالصحة ليست مجرّد غياب للمرض، بل هي حالة من التوازن الشامل والمستدام بين الجسد والنفس والنظام الغذائي المتكامل.

في ظل هذا التزاحم بين “الترندات” وأبرزها “نظام الطيّبات الغذائي”، الذي ابتكره الطبيب المصري الراحل ضياء الدين العوضي وبين التطبيقات الغذائية المتعدّدة عبر منصات التواصل، تبرز أهمية الاستنارة برأي أهل الاختصاص والخبرة، ممَّنْ يجمعون بين المعرفة الأكاديمية والواقع التطبيقي.

 التقينا اختصاصية التغذية وإدارة الصحة الاجتماعية رنا أبو مراد، فقرأنا معاً في سلبيات وإيجابيات “نظام الطيبات”، وقدّمت للقرّاء زبدة نصائحها لبناء نمط حياة صحي، مستدام، وآمن.

حاورتها رئيسة التحرير: إيمان أبو نكد

* كيف تنظرين كاختصاصية تغذية وإدارة صحة اجتماعية إلى “نظام الطيبات” المنتشر حالياً؟

– من واقع خبرتي العملية والحالات الصحية المتنوّعة التي عايشتها، أنظر دائماً بعين الاحترام لكل اجتهاد صحّي يستهدف تشجيع الناس على تحسين نمط حياتهم الغذائي. ولا شك في أنّ “نظام الطيبات” نجح في مساعدة الكثيرين على تنظيم وجباتهم، والابتعاد عن الأطعمة المصنّعة والمعالجة، وهو أمرٌ ينعكس إيجاباً ودون شك على الصحة العامة وإدارة الوزن.

لكن، كاختصاصية تغذية، ينبغي لي تقييم أي نظام غذائي من منظور علمي بحت؛ فلا نُقيّم الحمية باسمها أو بمدى انتشارها الشائع، بل بالأدلة العلمية المتوافرة، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن واستدامتها على المدى الطويل، إضافة إلى ملاءمتها الفردية لكل حالة، لذلك أرى أنّ المبادئ التي يقوم عليها “نظام الطيّبات” تتضمّن عاداتٍ حسنة ومفيدة، إلا أنّه لا يمكن اعتباره “النظام الأمثل” أو الموحّد لجميع البشر. فالتغذية العلاجية بطبيعتها عملية فردية شخصية؛ واحتياجات مريض السكري – على سبيل المثال – تختلف عن احتياجات مريض الكلى، وعن المرأة الحامل، أو الشخص الرياضي. لذا، لا يوجد نظام غذائي واحد يصحّ تعميمه على الجميع، حتى وإن أثبت نجاحه مع بعض الأفراد.

* ما رأيك في تقسيم الأطعمة بين “مسموح” و”ممنوع” الذي يعتمده “الطيّبات”؟

– إنّ تصنيف الأطعمة بين “مسموح مطلق” و”ممنوع مطلق” لا يناسب صحّة الإنسان الشاملة. العلاقة بين الصحة النفسية والطعام يجب أنْ تخلو من القمع والمنع الحاد. فرض الشروط القاسية غالباً ما يولد هوساً غذائياً واضطراباً في العلاقة مع الأكل (فكل ممنوع مرغوب). والتغذية الحديثة تُبنى على مبادئ الاعتدال والتوازن لا الحرمان. حتى الأطعمة التي تُصنّف بأنها أقل فائدة غذائية، يمكن إدراجها ضمن نظام غذائي متكامل بكميات مدروسة وتوقيت مناسب، دون أن يؤثر ذلك سلباً على الصحة العامة أو الوزن.

* ما بين الإيجابيات والسلبيات أين يقع “نظام الطيّبات”؟

 

(1) لـ”نظام الطيّبات” كما سبق وقلنا إيجابيات منها:

– التركيز على الطبيعة: يحث على تناول الأغذية الطبيعية والحد من الأطعمة المصنّعة والجاهزة.

– تنظيم الوجبات: يساعد العديد من الأفراد على التخلص من الفوضى الغذائية وضبط أوقات أكلهم.

– تحسين الممارسات: يساهم في خفض الوزن وتحسين بعض المؤشرات الحيوية كخطوة أولى نحو تغيّر العادات غير الصحية.

(2) أما السلبيات والتحديات فهي:

– انعدام الشمولية: يغفل الفروق الفردية الحتمية؛ فالنظام الغذائي يجب أن يُصمم وفقاً للحالة الصحية، التاريخ المرضي للأسرة، طبيعة العمل، نمط الحياة، وساعات النوم.

– القيود والصرامة: قد يكون مقيّداً لشرائح واسعة من المجتمع، مما يجعل الالتزام به والاستمرار عليه على المدى الطويل أمراً شاقاً.

– الحرمان غير المبرّر: قد يُفسّر البعض تعليماته بطريقة خاطئة تؤدي إلى استبعاد مجموعات غذائية كاملة ومهمة للجسم.

– عدم ملائمته للحالات المرضية الخاصة: لا يناسب الكثير من الحالات التي تتطلب حِميات دقيقة، مثل: متلازمة التمثيل الغذائي (Metabolic Syndrome)، تكيّس المبيض، أمراض الكلى، أو ضغط الدم. على سبيل المثال: اعتماد النظام على نسب مرتفعة من النشويات يتعارض صراحةً مع مرضى “مقاومة الأنسولين”، الاعتماد على نسب بروتين عالية (High Protein) يضر بمرضى الفشل الكلوي، لذلك أي نظام يتّجه نحو “التطرف الغذائي” لا يجوز تعميمه.

– الفردية في الاستجابة: نجاح النظام مع فرد لا يعني بالضرورة أنه الخيار الأفضل لغيره، فالاستجابة البيولوجية تختلف جذرياً من جسم لآخر.

* في ظل كثرة “حميات الترند” على وسائل التواصل الاجتماعي، ما هي نصيحتك للجمهور؟

– نعيش اليوم في عصر تتطاير فيه المعلومات – صائبها وخاطئها – بسرعة فائقة. وبفضل منصات التواصل، يمكن لأي نظام غذائي أن يتحول إلى “ترند” خلال أيام معدودة وقبل حتى أن يخضع للدراسة العلمية الكافية، لذلك أنصح الجميع بعدم الانجرار وراء المسميات البراقة أو الوعود السريعة بالرشاقة. قبل التفكير في اتباع أي حمية شائعة، اطرح على نفسك هذه الأسئلة الفاصلة: هل هذا النظام مدعوم بدراسات وعلم موثوق؟ وما مصدر هذه الدراسات؟، هل يناسب حالتي الصحية وجسمي وظروفي بشكل خاص؟، هل أستطيع الاستمرار عليه كنمط حياة دون أن يضر بصحتي أو بعلاقتي النفسية مع الطعام؟         

الحقيقة العلمية القاطعة تؤكد أنه لا يوجد نظام غذائي سحري موحد للجميع، سواء كان نظام الطيبات، الـ”Keto”، الـ”Carnivore”، الصيام المتقطع وسواها الكثير، التغذية الصحيحة تقاس بمدى ملاءمتها لفرديتك وتوازنها وقابليتها للاستمرار، لا بإسم الحمية أو شهرتها.

* كلمة أخيرة توجهينها لمَنْ يبحث عن الصحة والرشاقة المستدامة؟

– التغذية ليست “موضة” تتبدل مع كل شهر، بل هي علم متطور ومستمر. ما نحتاجه بالفعل ليس الركض وراء أحدث صيحة غذائية، بل تبنّي عادات صحية متوازنة وذكية يمكن الاستمرار عليها مدى الحياة لتحسين جودة عيشنا.

يجب دائماً مراعاة الفروق الفردية بين البشر؛ كالعمر، الطول، الوضع المعيشي، البيئة والمكان، والحالة النفسية. إذا كان هناك نظام يساعد شخصاً ما وينظم حياته دون أن يسبب له نقصاً غذائياً أو أضراراً صحية، فهذا أمر جيد ومرحب به لهذا الشخص بعينه. ولكن التحدي الأكبر يكمن في تجنب تعميم التجربة الفردية؛ فلكل جسد احتياجاته الخاصة، وظروفه الصحية المتميزة، وأهدافه المستقلة.

“ابحث عن نمط حياة مستدام يناسبك مدى الحياة بدل البحث عن اسم الحمية”

 

خاص Checklebanon

رئيسة التحرير: إيمان أبو نكد

مدير التحرير: مصطفى شريف

 

مقالات ذات صلة