🟠خاص – حين تروّج النجمات للذكورية… الشهرة لا تصنع وعياً!

رحاب ضاهر
تكشف تصريحات الكثير من النجمات أنّ الشهرة لا تعني بالضرورة الوعي، وأنّ النجاح الفني لا يحمي من الوقوع في خطاب ثقافي شديد السطحية. فبينما حقّقت الكثيرات حضوراً ونجومية بجهدهن، لا يتردّدن في تكرار أفكار تنتقص من المرأة، وتمنح الرجل تفوّقاً مفترضاً، وكأنّ قيمتهن تزداد كلما صغّرن من أنفسهن لصالح الرجل.
المفارقة أنّ هذا الخطاب لا يحتاج دائماً إلى ترويج من الرجل، فبعض النجمات يتولين زمام المبادرة بأنفسهن. يكفي تصريح عابر، أو تعليق ساخر، أو جملة تُقال أمام الكاميرا، حتى تعود النظرة الدونية إلى المرأة في ثوب جديد، لكن بصوت نسائي. مرّة تحت عنوان الدعابة، ومرّة باسم القناعة، ومرّة بحجة احترام العادات والتقاليد، وكأنّ الطريق الأسرع إلى كسب رضا المجتمع هو التقليل من شأن المرأة نفسها.

قدّمت الممثلة المصرية ياسمين عبد العزيز أحد أكثر الأمثلة وضوحاً على هذا الخطاب عندما علّقت على خسارة المنتخب المصري أمام الأرجنتين بنشر صورة مُركّبة لليونيل ميسي مُرتدياً فُستاناً، ظنّاً منها أنّها خفيفة الظل و”مهضومة”، وأنّها انتقمت لمنتخب بلدها بتحقير نفسها أوّلاً والمرأة عموماً. ففي نظرها وفكرها المحدود، اعتبرت أنّ أقسى إهانة يمكن توجيهها إلى لاعب بحجم ميسي هي أنْ تحوّله إلى امرأة. لم ترَ في ذلك انتقاصاً من صورة المرأة، ولم تتوقّف عند الفكرة التي تحملها السخرية، بل أعادت إنتاج منطق ذكوري قديم يرى أنّ الرجل يفقد مكانته حين يُشبَّه بالمرأة، وأنّ الأنوثة بحد ذاتها موضع إذلال وانتقاص.

وإذا كانت حالة ياسمين عبد العزيز يمكن وضعها تحت عنوان “مزحة سمجة أوي”، فإنّ الأمر يصبح أكثر وضوحاً عندما يتحول هذا الخطاب إلى قناعة معلنة. هذا ما ظهر في الجدل الذي أثارته التيكتوكر اللبنانية عبير الصغير بعد تصريحاتها عن حرية المرأة، حيث قدّمت الأدوار التقليدية ليس كخيار شخصي فحسب، بل كأنّها النموذج الأكثر صواباً واكتمالاً. المشكلة ليست في أنْ تختار امرأة حياتها كما تريد، بل في أنْ يتحوّل هذا الاختيار إلى رسالة مُبطّنة تقول للنساء الأخريات إنّ طريقهن أقل قيمة، فبدل من أنْ تكون الحرية مساحة للاختلاف، يجري أحياناً استخدامها لإعادة المرأة إلى القوالب نفسها التي قيل إنّها تجاوزتها.
https://www.instagram.com/reels/DaTWKCNFHtB/
هذه التصريحات لا تأتي من نساء بعيدات عن النجاح أو ممَّنْ عشن حياتهن داخل الأدوار التقليدية التي يدافعن عنها، بل من نجمات صنعن أسماءهن في مجالات تطلّبت حضوراً قويّاً واستقلالية وقدرة على كسر الكثير من الحواجز. وهنا تحديداً تظهر المفارقة: بعضهن وصلن إلى المكانة التي يحلم بها كثيرون، ثم يعدن لتقديم أفكار تعيد المرأة إلى المساحة نفسها التي تجاوزنها في مسيرتهن.
- نجوى كرم، التي بَنَتْ واحدة من أبرز التجارب النسائية في الغناء العربي، سبق أنْ أثارت الجدل بتصريحات تحدّثت فيها عن دور المرأة داخل المنزل، مُقدّمة صورة تميل إلى النموذج التقليدي للمرأة، رغم أنّ تجربتها الشخصية نفسها قامت على مسيرة طويلة في المجال العام، وعلى حضور ونجاح لم يكن ممكناً من دون استقلالية وقدرة على إثبات الذات.
- نادين نسيب نجيم أثارت سابقاً نقاشاً واسعاً عندما تحدّثت عن اختلاف ما تسمح به لابنها وما تمنحه لابنتها، في موقف أعاد طرح المعادلة القديمة نفسها: مساحة أكبر للولد، وحدود أكثر صرامة للفتاة؛ وهي المفارقة التي تجعل بعض النساء يدافعن عن القيود نفسها التي لطالما انتقدتها نساء أخريات.
- شيرين عبد الوهاب بدورها دخلت دائرة الجدل، عندما دعت النساء إلى الاستماع لكلام الرجل، لكنها لم تكتفِ بطرح رأيها، بل هاجمت المعترضات على كلامها ووصفتهن بـ”العوانس”. هنا لم يعد الأمر مجرّد اختلاف في وجهات النظر، بل تحوّل إلى استخدام خطاب ينتقص من النساء اللواتي لا يتبنين الرؤية نفسها، وكأنّ قيمة المرأة يمكن اختزالها في وجود رجل في حياتها.
- أما أحلام، فذهبت إلى مساحة أكثر مبالغة عندما تحدّثت عن طاعة الزوج بطريقة وصلت إلى حد التفاخر بتقبيل قدمه، مقدّمة الخضوع بوصفه علامة حب ووفاء، في صورة تُعيد تقديم التنازل عن الذات باعتباره فضيلة.
قد تختلف هذه المواقف في تفاصيلها وطريقة طرحها، لكنها تلتقي عند فكرة واحدة: المرأة تصبح أكثر قبولًا كلما اقتربت من الصورة التي يريدها المجتمع منها، وكلما قبلت أن تتراجع خطوة لصالح الرجل. المشكلة ليست في امرأة تختار شكل حياتها كما تريد، فهذا حق شخصي لا يحتاج إلى تبرير، بل في تحويل هذا الاختيار إلى نموذج يُقدّم للنساء الأخريات باعتباره الطريق الصحيح.
هذه المواقف لا تكشف فقط عن تبني بعض النجمات لأفكار تقليدية، بل تكشف أيضاً هشاشة الوعي بالقضايا التي تمس حياة النساء فعلاً. إذ غالباً ما يظهر الحماس للدفاع عن صورة المرأة التي تُرضي الرجل والمجتمع، أكثر من الحماس للحديث عن النساء اللواتي يعانين من التهميش والظلم.

لم نسمع هذا الخطاب الحريص على “دور المرأة” عندما يتعلّق الأمر بقضايا حقيقية مثل زواج القاصرات، أو حرمان النساء من التعليم، أو معاناة النساء اللواتي يواجهن العنف والتمييز. وكأنّ الدفاع عن المرأة يصبح أسهل عندما يتعلق بشكلها ودورها في إرضاء الآخرين، لا بحقوقها وحريتها في اختيار حياتها.
وهنا تكمن المفارقة الأكبر: بعض النجمات اللواتي كسرن الحواجز في مسيرتهن الفنية، يعدن أحيانًا إلى تقديم صورة للمرأة التي لا ترى نجاحها مكتملًا إلا بقبول الرجل والمجتمع لها، فبدل أنْ يتحوّل حضورهن إلى مساحة لتوسيع الخيارات أمام النساء، يصبح أحياناً وسيلة لإعادة إنتاج القيود نفسها، لكن بصوت نسائي.
خاص Checklebanon



