🟠بطل أوروبا يواجه بطل أميركا الجنوبية: معاينة كبرى لنهائي كأس العالم!

أعظم جوائز كرة القدم ستكون على المحك في ملعب «ميتلايف»، غداً. إنّها مواجهة إسبانيا ضدّ الأرجنتين في نهائي كأس العالم. بطل أوروبا يواجه بطل أميركا الجنوبية. ليونيل ميسي (39 عاماً) سيواجه لامين يامال (19 عاماً) الذي يُنظر إليه ربما باعتباره أقرب وريث ممكن لأسطورة ميسي في برشلونة. وستكون هذه أول مواجهة بينهما على أرض الملعب، لكنّ المدهش أنّ ميسي سبق أن ساعد في تحميم يامال عندما كان رضيعاً يبلغ 5 أشهر فقط، خلال جلسة تصوير خيرية في كانون الأول 2007. وإسبانيا، التي لم تستقبل سوى هدف واحد خلال 7 مباريات في البطولة، تتطلّع إلى إحراز لقبها الثاني (بعد 2010). أمّا الأرجنتين، فتدافع عن لقب 2022، وهو الثالث في تاريخها، في مباراة يُتوقع على نطاق واسع أن تكون الظهور الأخير لميسي على أكبر مسرح كروي في العالم.

كيف بلغت إسبانيا النهائي؟
بدأ مشوار إسبانيا بصدمة التعادل السلبي أمام الرأس الأخضر. لكنّها انطلقت بقوّة أمام السعودية، فسجّلت رباعية (هدفان منهما لميكيل أويارزابال). وضمن فريق لويس دي لا فوينتي صدارة المجموعة الثامنة بفوز صعب 1-0 على أوروغواي العنيدة، بفضل تسديدة خاطفة لأليكس باينا.

منذ البداية، كانت الخطة أن يتطوّر أداء الفريق تدريجياً، مع استعادة يامال ورودري جاهزيّتهما بعد إصابات حديثة. فاستمر التحسن مع اكتساح النمسا في دور الـ32 (ثنائية أخرى لأويارزابال) واختتم الظهير الأيمن بيدرو بورّو هجمة جماعية رائعة بهدف ثالث. وفي دور الـ16، حققت إسبانيا فوزاً متوتراً وصعباً على جارتها البرتغال بهدف البديل ميكيل ميرينو (د90+1)، منهياً مسيرة كريستيانو رونالدو في كأس العالم.

ورفعت إسبانيا مستواها أكثر في ربع النهائي. فعلى رغم من أنّ خطأً من الحارس البديل لبلجيكا سين لامينس ساعد «البديل الذهبي» ميرينو على تسجيل هدف قاتل، فإنّ الفوز 2-1 لم يعكس بالكامل مدى التفوُّق الإسباني.

وجاء الاختبار الأصعب أمام فرنسا، المرشحة الأولى قبل البطولة، في نصف النهائي. فارتقت إسبانيا إلى حجم المناسبة بأداء استثنائي هجومياً ودفاعياً، وساعد رودري فريقه في فرض سيطرة كاملة على وسط الملعب. وأثمر إصرار يامال وذكاؤه عن ركلة جزاء ترجمها أويارزابال إلى هدف، ثم صنع داني أولمو الهدف الثاني لبورّو، لتحقق إسبانيا فوزاً مستحقاً 2-0.

كيف بلغت الأرجنتين النهائي؟
هناك أكثر من مجرّد لمحة عن «البقاء على قيد الحياة» في مسيرة الأرجنتين، ممّا يجعل قدرتها على التقدُّم أكثر إثارة للإعجاب. فقد وُضعت في مواقف حرجة أكثر من مرّة، وبطرق مختلفة، بدنياً وتكتيكياً، لكنّها كانت تجد دائماً الحلول. كانت مرحلة المجموعات سهلةً، كما كان متوقعاً، أمام الجزائر، النمسا، والأردن. فعاث ميسي فيهم، ولم يتعرّض الدفاع إلّا لضغط محدود فتصدُّروا المجموعة.

في دور الـ32، تصاعد الضغط بمقاومة شرسة من الرأس الأخضر، وكادت قوى الأرجنتين البدنية أن تنهار في الوقت الإضافي. ثم أصبحت على حافة الإقصاء في دور الـ16 قبل أن تعود من تأخّرها 2-0 أمام مصر. وعانت مجدّداً في ربع النهائي أمام سويسرا، التي صمدت حتى طرد إمبولو. أمّا الفوز على إنكلترا في نصف النهائي، فانتزعته من وضع بالغ الخطورة أيضاً.

ولا شك أنّ تأثير ميسي حاسم. فـ8 أهداف و4 تمريرات حاسمة تُجسّد تماماً معنى حمل الفريق على كتفَيه، لكن ما لا يقلّ أهمّية بالنسبة إلى المدرب ليونيل سكالوني هو القدرة على الصمود، امتصاص العواصف، وتسجيل الأهداف المتأخّرة.

ماذا يجب أن نتوقع من إسبانيا؟
السيطرة، الانسجام، والشراسة في الضغط من دون كرة. هوية إسبانيا كفريق يعتمد على الاستحواذ والتمريرات القصيرة راسخة منذ زمن، وقد التزم بهذا النهج طوال البطولة، بمعدّل استحواذ بلغ 63.7% عبر مبارياته الـ7. هذا التفوُّق يستنزف المنافسين بدنياً وذهنياً، إذ يجدون أنفسهم يطاردون الكرة باستمرار، بينما يتبادل اللاعبون الإسبان التمريرات الدقيقة من حولهم. لكنّ النهج الإسباني لا يقوم فقط على إنهاك الخصوم وانتظار ظهور المساحات، بل يعتمد أيضاً على حركة ديناميكية، مع تبادل المراكز والانطلاقات السريعة التي تُمزّق التنظيم الدفاعي.

وكانت انطلاقات الظهيرَين إلى المناطق المتقدّمة مثمرة للغاية. فسجّل بورّو في مرمى فرنسا بالطريقة عينها، بينما كان مارك كوكوريّا أكثر نشاطاً على الجهة المقابلة (139 انطلاقة خلف الخطوط الدفاعية)، فلا يزال المنافسون عاجزين عن تتبُّع تلك التحرُّكات أو تحديد المسؤول عن مراقبتها.
ويقابِل هَوَس إسبانيا بالاستحواذ التزامٌ شرس باستعادة الكرة. فمهاجمو دي لا فوينتي يضغطون بقوّة، بينما يحافظ قلبا الدفاع باو كوبارسي وإيميريك لابورت على خط دفاعي متقدّم، ما يضيِّق المساحات ويُجبر المنافسين على التراجع. ويقود كل ذلك رودري، الذي يلتقط الكرات الثانية ويقضي على الهجمات المرتدّة بفضل تمركزه الاستثنائي، وهو ما يميّزه عن معظم لاعبي الوسط.
وقدّمت إسبانيا الأسلوب الأكثر وضوحاً في البطولة، إذ يعرف كل لاعب مسؤولياته بدقّة ويتمتّع بتفاهم كبير مع زملائه. ومع لمسة الإبداع التي يقدّمها يامال، تبدو مهمّة الأرجنتين في تجاوزها شاقة للغاية.

ماذا يجب أن نتوقع من الأرجنتين؟

روح قتالية، إصرار لا يعرف الاستسلام، وبالطبع… ميسي. عانى فريق سكالوني خلال فترات طويلة من المباريات قبل أن يستيقظ في اللحظات الأخيرة، إذ جاء 12 هدفاً من أصل 19 بعد الدقيقة 75 من الوقت الأصلي.

إذا تراجع المنافس أمامه، كما فعلت إنكلترا بشكل قاتل في أواخر نصف النهائي، فإنّ الأرجنتين تمتلك الجودة الكافية في الوسط لتدوير الكرة بأريحية وصناعة سَيل متواصل من الفرص. ويعكس متوسط 5,4 تمريرات في كل سلسلة هجومية (الأعلى في البطولة)، مدى هدوء الفريق وصبره في تحريك المنافس حتى تظهر الثغرات.

وتتركّز هذه التمريرات في العمق، حيث يتمركز ميسي غالباً، إذ توجِّه الأرجنتين نسبة أقل من تمريراتها إلى الأطراف مقارنةً بأي منتخب آخر. وعلى رغم من أنّ موهبة ميسي التي تبدو بلا حدود، قادت الفريق إلى النهائي، فإنّ محدوديّته البدنية في سن الـ39 تعني أنّ الأرجنتين لا تضغط عالياً بالشراسة نفسها التي تعتمدها إسبانيا. فهي تستعيد الكرة في الثلث الأخير بمعدّل 2,9 مرّة في المباراة، أي ما يقارب نصف معدّل إسبانيا. وبدلاً من ذلك، تتراجع ثم تنقضّ على المنافس عند وصول الكرة إلى وسط الملعب، وأحياناً عبر ارتكاب الأخطاء.

وعلى رغم من أنّها من أصغر المنتخبات من حيث البنية الجسدية في البطولة، فإنّ الأرجنتين حققت نجاحاً ملحوظاً في الكرات الهوائية، مسجّلةً 4 أهداف بالرأس. 3 منها، بينها هدف لاوتارو مارتينيز المتأخّر في مرمى إنكلترا، جاءت من عرضيات ميسي الدقيقة، ما يجعل الفريق خطيراً من الأطراف، حتى وإن كان لعبه يتمركز في العمق.
وعلى رغم من أنّ نقطة الارتكاز واضحة، فإنّ اختزال الأرجنتين في لاعب واحد سيكون تبسيطاً مفرطاً. فيوليان ألفاريز يمنح الفريق الطاقة والجودة في الهجوم، وظهر إنزو فرنانديز بأهداف متأخّرة حاسمة، بينما يوفّر إيميليانو مارتينيز حضوراً واثقاً بين الخشبات الثلاث.

قد تكون إسبانيا الفريق الأكثر تكاملاً، لكنّ الأرجنتين تمتلك روحاً لا تعرف الكلل، وقدرة غريبة على صناعة اللحظات الفردية الفارقة عندما تكون في أمسّ الحاجة إليها.

من هو النجم الأبرز في كل منتخب؟
بالنسبة إلى الأرجنتين، وعلى رغم من مساهمات بقية اللاعبين في اللحظات الكبيرة، فإنّ البطولة هي بلا شك، ومرّة أخرى، عرض خاص باسم ميسي الذي يتصدّر سباق الحذاء الذهبي مشاركةً مع مبابي بـ8 أهداف، كما سجّل أو صنع 12 هدفاً من أصل 19 للأرجنتين، وهو صانع اللعب الأول وأخطر أسلحة المنتخب، بمعدّل الأعلى في عدد التسديدات والفرص المصنوعة لكل 90 دقيقة.

وخلال معظم فترات البطولة، بدا وكأنّه يتجوَّل في الملعب، ما قد يوحي للمشاهد غير المعتاد بأنّه بالفعل لاعب في الـ39 لم تعُد قدراته البدنية تؤهله للمستوى النخبوي. لكنّ ذلك جزء من خدعة الساحر، إذ يبعث الحياة في نفسه عندما يحتاجه وطنه أكثر من أي وقت آخر. ففي مواجهة إنكلترا، نجح في 10 مراوغات (أعلى رقم لأي لاعب في أي من مباريات البطولة الـ101 الأخرى)، ولا تزال قدرته على حماية الكرة بقوّة جذعه المذهلة والمراوغة في الاتجاهَين فعّالة كما كانت دائماً.

أمّا في إسبانيا، فإنّ يامال يمنح الفريق شرارة الهجوم، لكنّ رودري هو الأهم بالنسبة إلى دي لا فوينتي. فمتوسط الميدان لا يهتز في قلب عملية البناء، ويوفِّر الهدوء والسيطرة اللذَين تنطلق منهما الهجمات. ووفقاً لبيانات «فيفا»، أكمل رودري 47 تمريرة تحت الضغط في كل مباراة (أعلى رقم لأي لاعب في البطولة).
وعلى رغم من هدوئه بالكرة، يتحوَّل رودري إلى وحش شرس من دونها، إذ يلتقط الكرات الثانية بفضل قراءته الممتازة للعب، ويتفوَّق في الالتحامات بقوّته البدنية. وتُظهر خريطة تدخّلاته واعتراضاته أنّه يغطي كامل الملعب، لكنّه يؤدّي دوراً محورياً خصوصاً في الضغط العكسي، إذ ينجح في افتكاك كرتَين في الثلث الأخير خلال كل مباراة، وهو أعلى معدَّل بين جميع اللاعبين الذين بلغوا ربع النهائي.

أين ستُحسم المباراة؟
ستتوقف المباراة على قدرة الأرجنتين على الصمود أمام الضغط الإسباني المكثف. فقد عانت أمام الضغط العالي لإنكلترا، ولمست الكرة 3 مرّات فقط داخل منطقة جزاء المنافس قبل نهاية الشوط الأول. وعلى عكس إنكلترا، من غير المرجّح أن تتراجع إسبانيا أو يتراجع مستواها البدني، ما يفرض على سكالوني إيجاد طريقة للتعامل مع هذا الضغط المستمر.

ويتمثل أحد عناصر الارتياح الصغيرة للأرجنتين في مواجهة هذا الضغط المتواصل، في أنّ إسبانيا، على رغم من ضغطها العنيف لاستعادة الكرة في مناطق متقدّمة، فإنّها نادراً ما تشنّ هجمات مرتدّة مباشرة بعد استعادتها، إذ يبلغ متوسطها 1,9 هجمة مباشرة لكل 90 دقيقة. وباستثناء يامال، لا تمتلك إسبانيا سرعة كبيرة في الخط الأمامي، وهو الجانب الذي واجهت الأرجنتين صعوبات معه خلال البطولة.

وتُعدّ الأرجنتين منتخباً ينمو أداؤه تدريجياً مع سَير المباراة، وإذا تمكنت من تجاوز الضغط الإسباني الخانق، فمن المتوقع أن تتحوَّل المواجهة إلى صراع على السيطرة. بل إنّ الأرجنتين تتفوَّق قليلاً على إسبانيا في دقة التمرير، إذ تتصدَّر البطولة بنسبة نجاح تبلغ 90,5%، مقابل 89,8% لإسبانيا. وسيكون استثمار هذا الهدوء لفرض موطئ قدم في المباراة، وإيصال الكرة باستمرار إلى ميسي في المساحات الخطرة بين الخطوط، مفتاحاً أساسياً لحظوظها.

وإلى جانب معركة السيطرة على وسط الملعب، قد تكون المواجهات على الأطراف حاسمة. فيامال يشكّل خطراً مدمِّراً على الجهة اليمنى، بعدما مزّق دفاعات الظهير الأيسر الفرنسي لوكاس دينيي بمراوغاته الانفجارية، وأياً يكن الأرجنتيني في تلك الجهة، والأرجح نيكولاس تاليافيكو، فإنّه سيواجه مهمّة شاقة.
لكنّ ميسي، في مشهد يُعيد إلى الأذهان أيامه الأولى مع برشلونة، قدّم أيضاً لمحات حاسمة من على الأطراف، إذ إنّه انتقل إلى الجهة اليمنى عندما كانت الأرجنتين متأخّرة، وكانت قدرته على الاختراق نحو العمق وإرسال التمريرات البينية والعرضيات الدقيقة عاملاً أساسياً في قلب نتيجة مباراتَين، وقد يتكرّر ذلك مرّة أخرى في النهائي.

كونور أونيل، ديرموت كوريغان، فيل هاي، وجورج إدواردز- نيويورك تايمز

مقالات ذات صلة