خاص – نعوش معلّقة على حافة الانتظار: مأساة “الموت المؤقت” في مقابر الوديعة

لم تكتفِ حروب حزب الله الأخيرة منذ 2023 إلى اليوم، بتهجير الأحياء وتدمير حواضرهم، بل لاحقت الموتى في غُربتهم، لتخلق مشهداً جنائزياً بالغ القسوة، يتحمّل الحزب، ومن خلفه إيران، مسؤوليته المباشرة بعدما قادا البلاد نحو مواجهة تدميرية غير محسوبة النتائج، جعلت من الدفن في مساقط الرؤوس ترفاً مستحيلاً.

فمع قطع الجيش الإسرائيلي للطرقات، ورسم حدود المنطقة الصفراء، والتوغل داخل أكثر من 65 قرية لبنانية، وصولاً إلى “المناطق التجريبية”، مع ما فرضته استحالة الوصول إلى القرى والبلدات الحدودية التي تحولت إلى مربّعات من الركام، وجد الأهالي أنفسهم أمام خيار “فقهي” مرير وهو “الدفن كوديعة”؛ حيث تُودع جثامين الضحايا وعناصر الحزب في “مقابر مؤقتة” داخل صناديق خشبية ومصبوبات إسمنتية سريعة التفكيك، بانتظار العودة ونقلهم إلى مدافن عائلاتهم.

هذا الواقع نقل أزمة النزوح وضغوطها من مراكز الإيواء إلى حرمة المدافن في مدن الملاذ؛ إذ ضاقت مقابر العاصمة بيروت وضواحيها بجثامين الوافدين حتى بلغت قدرتها الاستيعابية حدها الأقصى، في حين تحوّلت بلدة حارة صيدا الجنوبية إلى قبلة لمئات القبور المؤقتة التي نبتت سريعاً في مساحاتها المتاحة، حاملة لافتات إسمنتية كُتبت عليها الأسماء بخط اليد كعلامات فارقة لرحلة نبش قادمة.

مرارة “الوديعة” ليست سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد، فالقلق الأكبر يكمن في ملف المفقودين الشائك تحت أنقاض الضاحية الجنوبية وقرى الجنوب؛ حيث تشير المعطيات الميدانية إلى وجود جثامين كشفتها التقديرات الأولية وما زالت قيد الاحتجاز تحت أطنان الردم، مما يرجح ارتفاع أرقام الضحايا بشكل صادم فور بدء عمليات الجرف الفعلي، لتكشف الحرب في ختامها عن عمق الكارثة التي حوّلت الموت نفسه إلى معاملة مؤجلة وتائهة بين المدن.

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة