خاص – رحلة تابوت خامنئي.. الدين يتبخّر أمام “التبرّك” بالنعوش

بعد انتهاء رحلة الأيام الخمسة  كاملة لنعش المرشد الإيراني علي خامنئي، تبخّرت أدبيات الفقه والشرع فجأة؛ فالرجل الذي ملأ الدنيا صراخاً في حياته، وهو يُعيب على الآخرين التأخّر في إكرام الميت بدفنه، استقرّت جثته داخل صندوق خشبي نُقل على متن شاحنة ضخمة شقّت شوارع طهران ببطء في موكب طواف سرمدي لا ينتهي، وكأن القوم يحاولون تمديد صلاحية قداسة أوشكت على النفاد.

المفارقة هنا تكمن في تلك الجماهير الغارقة في وحول التبعية الأعمى، والتي تكالبت في تدافع مميت امتد لعدّة كيلومترات لمجرّد تلمّس الشاحنة وإلقاء الأوشحة والأغراض الشخصية للتبرّك بالصندوق، وسط محاولات مستميتة من فرق الإطفاء لتهدئة الرؤوس الحامية برش المياه على الحشود الحالمة بالبركة الإلهية من جثة هلكت، والمنشغلة بالهتافات السياسية المستهلكة والمطالبة بالثأر.

هذه المشاهد من التبرّك بالخرق البالية، والتمسح بالتراب، والتعلق بأهداب النعوش، تثبت أن عهود عبادة الأصنام وتقديس الأشخاص لم تنقرض من التاريخ، بل وجدت لها ملاذاً آمناً يتجدد في العقل الجمعي.

فبينما تحاول الأقلام والأبواق الموالية تبرير هذا الفراغ بشعارات رنانة تدّعي أن القضية تتعلق بـ “المبادئ والرسالة والهوية”، تفضح المشاهد واللقطات الواقعية حقيقة الارتكاس الكامل إلى البدائية والطقوس الوثنية الجاهلية، بدءاً من جلد الذوات بالتطبير ووصولاً إلى تأليه الجثث والنعوش الرمزية والفعلية على حد سواء.

الهوس بالجسد والمادة يُسقط كذبة “التعلق بالروح والمبادئ”، ويكشف أن هذا الفكر لا يزال محكوماً بعقدة القبر والضريح، وعاجزاً تماماً عن العيش دون وثن ملموس يتمسح بأعتابه ويبكي تحت قدميه.

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة