خاص – كاظم الساهر… سيرة رجل يسكنه الحب ولا يعيشه

رحاب ضاهر
لم يكن ظهور الفنان كاظم الساهر في لقاء الإعلامي أنس بوخش مجرّد مقابلة عابرة، بل بدا أشبه بكشفٍ متأخر عن الرجل الذي ظلّ لسنوات طويلة مختبئاً خلف صورته الفنية. ففي هذا الحوار بدا مختلفاً عن ذلك النجم الذي عرفه الجمهور قبل سنوات، وقبل محطات ثقيلة غيّرت الكثير في حياته، فـ”القيصر” قبل جائحة “كورونا” ورحيل طليقته وأم ولديه “عروبة”، ليس هو نفسه بعدهما؛ إذ ثمّة شيء تبدّل في الداخل، وشيء من ذلك الفنان الذي اعتاد إخفاء أحزانه خلف الموسيقى انكشف أمام أسئلة الفقد والوحدة والزمن.

خرج من خلف صورة النجم، رجلٌ يحمل ندوبه بصراحة أكبر، ويتحدّث عن خساراته ووحدته من دون مواربة، فيواجه بصوت هادئ ما كان يؤجّله طويلاً. بدا أقرب إلى نفسه، وأكثر تصالحاً مع هشاشته الإنسانية، كأنّه يتلو فعل الندم ويحدّد الخسارات، فيما يستمر في البحث عن السلام الداخلي. ذلك الفنان الذي أسعد الملايين بأغانيه وموسيقاه لم يعد يتحدّث عن النجاح بوصفه غاية كبرى، بل كأمر فَقَدَ الكثير من بريقه أمام أسئلة أكثر إلحاحاً تتعلّق بالراحة والسكينة ومعنى الحياة نفسها.
https://www.facebook.com/watch/?v=1527182232399495
المفارقة الأبرز كانت في أنّ الرجل الذي كرّس عمره للموسيقى، ولم يعرف طويلاً ملاذاً سوى الوقوف على المسرح، بدا وكأنه لا يزال يخوض رحلة بحث لا تنتهي عن الطمأنينة. وبين صخب الشهرة وعزلته المختارة، يعترف الساهر بأنّ الوحدة أصبحت شكلاً من أشكال الأمان، حتى وإن كانت أماناً مؤلماً.
حين يتكلم الفنان من خارج صورته
بدا كاظم الساهر في هذا اللقاء أكثر ميلاً إلى التأمل في حصيلة عمر كامل من القرارات والخيارات التي رسمت مسار حياته. تحدّث بهدوء رجل يرى اليوم انعكاسات ما اختاره قبل سنوات طويلة، من انحياز كامل للموسيقى، إلى حياةٍ استهلكها العمل المتواصل والسفر والقراءة واختبار ثقافات وتجارب إنسانية متعددة. فلم تكن إجاباته مُجرّد استعادة للماضي، بل مراجعة ناضجة لتجربة طويلة كشفت له أنّ بعض القرارات لا يظهر أثرها الحقيقي إلا بعد مرور العمر، وأنّ المعرفة التي راكمها منحت نظرته للحياة قدراً أكبر من العمق.

ومن بين أكثر اللحظات صدقاً، بدا وكأنّه يلتفت إلى الفراغات التي تركتها سنوات الانشغال الطويلة في حياته الشخصية. تحدّث بشيء من الحسرة، مُدركاً أنّ الطريق الذي منحه هذا المجد الفني أخذ منه في المقابل أشياء لا تقل قيمة. فالفن بالنسبة إليه كان مشروع حياة كامل، احتاج إلى الغياب والتفرّغ، وهي أثمان لا تُدرك إلا عند النظر إلى الماضي من مسافة كافية. لم يعترض على الطريق الذي اختاره، لكنّه بدا أكثر وعياً بما فوّته من تفاصيل يومية ولحظات عائلية لا تُستعاد.
ورغم أنّه دخل الحوار بصفته ضيفاً، إلا أنّه بدا في كثير من اللحظات صاحب الإيقاع الخاص. كان يقود الحديث بهدوء وثقة، يسترسل في أفكاره وتأمّلاته حتى يكاد المشاهد ينسى وجود مُقدِّم أمامه، في حضور يعكس خبرة طويلة في رواية الذات وتحويل الذكريات إلى سرد حي.
بدا الساهر، الذي أضافت إليه السنوات وقاراً وهيبة، كمَنْ يعزف سيرته على مهل. تنقّل بين المحطات والوجوه بالهدوء نفسه الذي يختاره لأغنياته. وفي كل عودة إلى العراق، كان لا يتحدّث عن بلد غادره فقط، بل عن عالم كامل ما زال يسكنه؛ طفولته الفقيرة، الأزقة الأولى، والخبرات القاسية التي شكّلت شخصيته، كلها حضرت كجزء حي من تكوينه، وكان واضحاً في أنّ الغربة، رغم عقود التنقّل، لم تتحوّل إلى حالة عادية في حياته، فالعراق الذي حمله في أغانيه ظل حاضراً في وجدانه، كأنه المكان الذي لم يغادره بالكامل مهما ابتعد.
الندم كذاكرة مؤجّلة لا كاعتراف
أما اللحظات الأكثر تأثيراً فكانت تلك التي لامس فيها منطقة الندم، من دون أنْ يُسمّيها بشكل مباشر. استعاد سيرة “عروبة” ابنة عمّه وطليقته وأم نجليه وسام وعمر، التي رافقته في بداياته، فبدا في صوته شيء من الأسى الذي لا يزول بسهولة. لم يكن حديثه عنها استذكاراً لشخص غاب، بل استحضاراً لمرحلة كاملة من حياته. وعندما قارن بين حضور والدته في مسيرته وبين حضور عروبة، ظهر في مواجهة فكرة مؤلمة: “بعض الأشخاص ندرك قيمتهم متأخّرين، حين يصبح الوقت عاجزاً عن ردّ الجميل”، لذلك لم يظهر الندم كاعتراف صريح، بل كحزن هادئ على ما لا يمكن إصلاحه.
ولعل أكثر ما كشف عمق هذا الإحساس كان ربطه المباشر بين مشاعره تجاه أم ولديه والشعور بالذنب. لم يكن يتحدّث عن علاقة عابرة، بل عن امرأة شكّلت جزءاً من سنواته الأولى قبل الشهرة. وهنا يصبح الذنب أقرب إلى أثرٍ إنساني باقٍ منه إلى موقف عابر، لأنّ بعض الخسارات لا تؤلم بسبب الرحيل فقط، بل بسبب ما لم يُقل في الوقت المناسب.

الوحدة كخيار… والموسيقى كملاذ أخير
في هذه المساحة، عاد الساهر إلى جملة لافتة تلخّص كثيراً من صورته الداخلية: “بعدني مجنون وبعدني طفل، ومن الجنون، لكن أحب الوحدة”. مفارقة تكشف جانباً خفياً يتجاور فيه الحس الإنساني مع الانسحاب الهادئ. لم يخفِ إيمانه بالجانب النفسي واعتباره الاستشارات النفسية ضرورة لفهم الذات، في اعتراف يبتعد عن صورة الفنان المنغلق على تجربته.
https://www.facebook.com/watch/?v=1014685500927192
لكن اللحظة الأكثر إرباكاً جاءت حين قال: “أنا لا أحب نفسي”. جملة عابرة لكنها ثقيلة، تكشف فجوة بين الصورة والفرد الداخلي، بين الفنان الذي يفيض حباً على المسرح، والإنسان الذي يقسو على ذاته بصمت.
من هنا تبدو عبارة “أنا مو مال دلال” امتداداً لهذه الصرامة الداخلية، لا تناقضاً معها. فالساهر لا يعامل ذاته بلطف زائد، بل بقدر من المحاسبة المستمرة التي لا تخففها حتى النجاحات. وفي النهاية، يبدو في حالة تعادل داخلي؛ لا الخارج قادر على منحه ذروة جديدة، ولا الحياة الخاصة تعود إلى سابق حضورها. ومع ذلك تبقى الموسيقى هي الملاذ الأخير، واللغة الوحيدة التي لا تزال قادرة على إنقاذه من الصمت.

حين يصالح الوحدة ويغيب الحب بهدوء
لا يبدو كاظم الساهر فناناً يعيد رسم صورته، بل رجلاً يتصالح بهدوء مع ما هو عليه. تصالح لا يلغي الأسئلة، لكنه يخفف حدتها ويجعلها أقرب إلى تأمل طويل في معنى الحياة.
وفي الوقت الذي يغيب فيه الحب عن حياته الخاصة، يبقى هو نفسه “صوت الحب” الذي رافق أجيالاً كاملة. مفارقة تختصر صورته: فنان لا شبيه له، يفيض إحساساً في الفن، بينما يعيش في الداخل قدراً من الوحدة والهدوء والانكماش.
بين الندم الذي يطل بهدوء، والوحدة التي اختارها، والقلق الذي لم يخفِه، يبقى الساهر في حالة إنسانية معقّدة، لكنه رغم ذلك ظل قادراً على سحر الملايين، وكأن الموسيقى هي الطريقة الوحيدة التي يصالح بها هشاشته مع العالم، ويحوّل بها الألم إلى أثرٍ لا يزول.
خاص Checklebanon



