🟠خاص – رجم الحجر أم رجم الجهل؟ تفكيك السطحية ومفهوم الرمزية في شعائر الحج!

من السهل جداً قراءة الطقوس الدينية بظاهرية مفرطة، واختزالها في مشهد “إلقاء حصى على جدار”، لكن غياب العمق الفكري هو ما يجعل البعض يرى الأمور بـ”سطحية مادية” بحتة، غافلاً عن الأبعاد النفسية والروحية التي تُبنى عليها الثقافات والأديان.
تعقيب مختصر على كلام المرتد والمعتوه أويس مخللاتي، يفنّد هذا الطرح ويبرز جمالية هذه الشعيرة:
الرمزية أصل السلوك البشري:
يمتلئ العالم الحديث بالرموز؛ فالجندي ينحني لخرقة قماش (العَلم)، والشعوب تقف دقيقة صمت حداداً، والدول تضع نُصُباً تذكارية لأفكار مجردة كالحرية والعدالة. لا أحد يرمي العلم بالجهل لأنّه ناعم الملمس، ولا أحد يهاجم النصب التذكاري لأنّه حجر. شعيرة “رجم الجمرات” هي عملية إسقاط رمزي وتجسيد مادي لفكرة مجردة وهي: إعلان العداء المستمر للشيطان، ومقاومة نزغات الشر والظلم بداخل الإنسان.
البُعد النفسي والسلوكي:
تمنح هذه الشعيرة الإنسان فرصة للتطهر الداخلي، حيث يستحضر المرء عيوبه، أنانيته، وشهواته، ويقذفها رمزياً مع كل حصاة. إنها ليست حرباً مع “عمود إسمنت”، بل هي إعلان ثورة على الذات الأمارة بالسوء، وتجديد للعهد بأن يقاوم الإنسان الشرور في حياته اليومية.
سماحة الإسلام وجماله:
لم يأتِ الإسلام ليلغي إنسانية البشر أو عقولهم، بل جاء ليُهذبها. الحج برمتّه – من الطواف إلى السعي والرجم – هو رحلة تجرد كاملة من المظاهر، والمناصب، والطبقية؛ حيث يرتدي الجميع لباساً واحداً بسيطاً، ويتساوى الغني والفقير، والوزير والعامل، ليذوبوا في تجربة روحية جماعية تُعلم التواضع والسلام الباطني.
العبقرية الدينية لم تُفرغ الرمز من معناه، بل على العكس؛ جعلت من الحجر وسيلة إيضاح حسية تذكر الإنسان الضعيف بطبيعته بأنه في معركة مستمرة ضد الشر. مَنْ يرى “عمود إسمنت” فقط، قد حَرَم نفسه من فهم لغة المجاز والعمق الروحي التي تحرك ملايين البشر نحو التسامح، والخير، والارتقاء بالنفس.
مصطفى شريف – مدير التحرير / Checklebanon



