🟠تخبّط طروحات داخل “المنطقة النموذجية”… وتشنج في جولات التفاوض!

تخبّط طروحات داخل “المنطقة النموذجية”: أي حظ لمثال إيرلندا؟

 

لا تقتصر المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، برعاية أميركية، على البحث في وقف إطلاق النار أو تثبيته، بل تهدف إلى تقديم طروحات شاملة للوصول إلى تفاهمات تنهي حالة الحرب، وتبحث في حلّ سلاح حزب الله، وإنهاء وجوده العسكري، وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.

يواكب هذه المفاوضات مسار إقليمي، ودولي، وعربي، وسط مساعٍ لمنع توسيع الحرب الإسرائيلية على لبنان، وحماية أراضيه، وتثبيت سيادته الكاملة عليها، من دون أي اعتراف بمنطقة عازلة إسرائيلية أو بمنطقة “الخط الأصفر”.

لا يزال المحور الأول من المفاوضات يتركز حول كيفية تثبيت وقف إطلاق النار بشكل كامل. وهذا ما ترفضه إسرائيل، لكن هناك جهوداً كثيرة وضغوطاً كبيرة تُمارس عليها للموافقة، مع انخراط أميركي في هذا الاتجاه. وقد تلقت الدولة اللبنانية إشارات أميركية بالعمل على تثبيت وقف النار.

موقف واشنطن وطروحات التحييد

ظهر ذلك أيضاً في حقيقة الموقف الأميركي خلال جولات التفاوض التي استمرت على مدى يومين، إذ بدا واضحاً للوفد اللبناني أن مواقف المسؤولين الأميركيين تدفع باتجاه قبول إسرائيل بوقف النار الشامل. لم تكن هناك توقعات بالوصول السريع إلى وقف النار الشامل، لكن، بحسب بعض المؤشرات، فإن الأمر يحتاج إلى أيام لإنضاج ظروفه.

وبحسب المعلومات، فإن ما جرى طرحه بدايةً هو تحييد العاصمة اللبنانية بيروت، مقابل تحييد حزب الله لتل أبيب الكبرى. بعد ذلك، طُرحت معادلة تحييد الضاحية الجنوبية لبيروت، مقابل عدم استهداف حزب الله للمستوطنات الشمالية. هنا، عمل الحزب على اجتراح معادلة تقوم على عدم استهداف الضاحية، مقابل عدم استهدافه المدن الكبرى في الشمال، مثل حيفا، وعكا، وصفد، بينما أراد أن يترك لنفسه هامش استهداف المستوطنات الإسرائيلية القريبة جداً من الحدود، مثل كريات شمونة ومسكاف عام.

رفض إسرائيلي وضغوط أميركية

عملياً، لم تكن إسرائيل موافقة على أي من هذه الطروحات إطلاقاً، وبقيت تضع معادلة استهداف أي منطقة في الشمال، مقابل استهداف الضاحية. لكن ذلك يحتاج إلى موافقة أميركية، وسط استمرار الضغوط الإسرائيلية على الأميركيين للحصول على ضوء أخضر منهم للرد على بعض المسيّرات التي أطلقها الحزب باتجاه كريات شمونة ومسكاف عام. وهذا ما ركّز عليه السفير الإسرائيلي في أميركا، الذي اتهم الحزب بخرق كل الاتفاقات، واتهم الدولة بعدم قدرتها على لجمه.

وبقي حزب الله يصر على معادلة وقف إطلاق النار الشامل، بينما اقترح بعض المعنيين، بين الوفد اللبناني المفاوض والأميركيين، أن يتم تقسيم لبنان إلى مناطق يُثبَّت وقف النار فيها بالتدرج. فكما تم تحييد الضاحية مقابل المدن الشمالية بالنسبة إلى إسرائيل، يمكن لاحقاً الانتقال إلى تحييد مناطق في قضاء صيدا، مقابل تحييد الحزب لاستهداف عدد من المستوطنات في الشمال، وهكذا دواليك.

شكوك في النوايا الإسرائيلية

لكن الشكوك تبقى قائمة إزاء النوايا الإسرائيلية، وسط تقديرات ومخاوف تفيد بأن نتنياهو لا يريد وقف الحرب، بل توسيع العملية البرية للسيطرة على منطقة جنوب الليطاني بشكل كامل، إضافة إلى السيطرة على تلة علي الطاهر، وفرض واقع عسكري يستخدمه للضغط على حزب الله والدولة اللبنانية من أجل تفكيك سلاح الحزب.

كما أن نتنياهو لا يزال يبحث عن أي ثغرة يقنع من خلالها ترامب بالسماح له بضرب بيروت. وفي هذا الإطار، جاء اتهامه لقادة حزب الله المسؤولين عن قصف إسرائيل بأنهم يقيمون في بيروت والضاحية.

مناطق نموذجية وآلية للانسحاب

سيبقى هذا الطرح عرضة للأخذ والرد، وهو بحاجة إلى أيام كي يتبلور، ولاكتشاف إمكانية تطبيقه والتزام الطرفين به. ومن بين ما طُرح أيضاً اعتماد مناطق “نموذجية” لآلية انسحاب الإسرائيليين منها، وتفكيك بنية حزب الله العسكرية فيها، ودخول الجيش إليها وانتشاره.

أما المرحلة التي تليها، فيمكن تخصيص منطقة معينة طالتها العمليات الإسرائيلية، وتم تثبيت وقف النار فيها، لتوفير مقومات عودة السكان إليها. كل هذه النقاط طُرحت في المفاوضات، إلا أن الاختلاف بقي قائماً بين وجهة النظر اللبنانية ووجهة النظر الإسرائيلية.

إذ إن الإسرائيليين أصروا على ربط الانسحاب بتفكيك سلاح حزب الله بالكامل، وبوجود رعاية وإشراف أميركيين لهذه العملية، حتى إنّه جرت مناقشة إمكانية عمل الجيش الأميركي مع الجيش اللبناني على تحقيق ذلك. ولا يمكن إغفال الفكرة الأميركية، الإسرائيلية، الثابتة حول تشكيل وحدات خاصة من الجيش تقوم بهذه المهمة، أو تخصيص وحدات موجودة أساساً في الجيش للعمل مع الأميركيين.

تشنج في جولات التفاوض

شهدت جولات التفاوض شيئاً من التشنج والتوتر بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي. فكلما طرح لبنان مسألة وقف النار، ردّ الإسرائيليون بإثارة نقطة إشكالية، أولاً حول عدم التزام حزب الله ومواصلته عملياته العسكرية، أو حول عدم قدرة الدولة اللبنانية على التأثير في قرار الحزب، أو بالاعتراض على أداء الجيش اللبناني الذي لم يطبق خطة حصر السلاح بالكامل. كما أشاروا إلى أن هناك الكثير من المباني والمنازل التي رفض الجيش الدخول إليها لسحب السلاح منها، لكن الوفد اللبناني قدّم أسبابه الموجبة لذلك.

وقدّم الوفد اللبناني مطالعته حول هذا الأمر، وردّ على الإسرائيليين بالقول: “دخلت القوات الإسرائيلية إلى جنوب نهر الليطاني وسيطرت عليه، وعملت على تفجير الأنفاق، لكنها لم تعثر على مخازن أسلحة ثقيلة أو كبيرة أو كثيرة. وهذا يعني أن الجيش كان قادراً على تطبيق خطته، وهذه الخطة كانت تحتاج إلى مزيد من الوقت للانتهاء منها، وهي التي يمكن العمل عليها في شمال النهر. كما أن القوات الإسرائيلية التي دخلت إلى منطقة جنوب الليطاني لم تنجح حتى الآن في منع حزب الله من مواصلة عملياته، وبالتالي كيف يمكن للبنان أن يحقق ذلك خلال فترة قصيرة؟”.

وشدد الوفد اللبناني على أن معالجة هذا الأمر ترتبط بالقرار السياسي، وبالوصول إلى اتفاق سياسي على مستوىً كبير، وبرعاية إقليمية ودولية.

سيناريوهات وقف النار

عملياً، ستستمر المفاوضات، والمباحثات، والمساعي لتكريس وقف إطلاق النار بشكل كامل، وسط تشكيك من جهات عديدة على قاعدة أن نتنياهو لا يريد وقف النار. وقد يكون ممكناً الوصول إلى صيغة مشابهة لاتفاق 27 تشرين الثاني 2024؛ أي أن تبقى إسرائيل في الجنوب، وأن تحافظ على حرية الحركة في استهداف مواقع أو عناصر لحزب الله يشكلون تهديداً لها، إلا أن هذا ما يرفضه الحزب بالكامل.

ومن بين الطروحات أيضاً بقاء القوات الإسرائيلية في الجنوب، من دون إحداث أي تغيير في معالم القرى والبلدات؛ أي وقف التدمير والتجريف، بانتظار الوصول إلى صيغة لمعالجة ملف سلاح حزب الله والانسحاب. أما في ظل الرفض الإسرائيلي، فيمكن الوصول إلى معادلة يفرضها الأمر الواقع، وهي حصر المواجهات العسكرية في الجنوب.

تقاطع الملفين اللبناني والإقليمي

أي تطور في المسارين السياسي والعسكري لا يمكن أن يكون منفصلاً عن تطورات المفاوضات الإيرانية، الأميركية. ففي حال تجدد الصراع مع إيران، سينعكس ذلك على لبنان، أما في حال التوصل إلى اتفاق، فلا بد من أن يكون لبنان مشمولاً به. وهذا ما تواكبه جهود عربية ودولية أيضاً، خصوصاً أن هناك إجماعاً في المواقف الدولية على ضرورة حصر سلاح حزب الله بيد الدولة اللبنانية.

وهذا ما يشدد عليه الأميركيون أيضاً من خلال كل طروحاتهم حول إعلان نوايا مشترك، والعمل من قبل الدولة اللبنانية بشكل جدي على سحب سلاح الحزب. وهنا، تدخل جهات عديدة من أجل إقناع الأميركيين بأنه لا يمكن سحب سلاح الحزب بطريقة تؤدي إلى صدام داخلي أو حرب أهلية، بل من خلال اعتماد مبدأ احتواء السلاح، الذي اقترحته مصر، وهو اقتراح مشابه أيضاً لاقتراح بريطاني.

فقبل أشهر، طُرحت فكرة بريطانية لاعتماد نموذج إيرلندا وحلّ الجيش الجمهوري الإيرلندي. وكان الطرح الأول لها خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وطُرحت يومها بين رئيس الجمهورية جوزاف عون والرئيس الإيرلندي. وبعد ذلك، زار لبنان مسؤولون بريطانيون وإيرلنديون ناقشوا مثل هذا الطرح. ولا يمكن فصل اتصال مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول، يوم أمس، برئيس الجمهورية جوزاف عون عن هذا السياق.

وهذا الطرح ليس بعيداً عن المبادرة المصرية التي يتم إدخال تعديلات عليها، كما أن مصر تعمل على التنسيق مع السعودية وقطر من أجل بلورتها، وتوفير الدعم لها، ومقومات نجاحها. وهذا لا ينفصل عن التواصل مع إيران أيضاً، وهو، على الأرجح، يرتبط باتفاق إيراني، أميركي أيضاً.

منير الربيع- المدن

مقالات ذات صلة