خاص – هل يفتح سعيد الماروق باب الرعب في الدراما العربية؟

خاص – رحاب ضاهر
بعد تجربة سلسلة “وحوش” لصالح منصة “شاشا” الكويتية، يواصل المخرج سعيد الماروق ترسيخ حضوره في الدراما الخليجية عبر التوجّه إلى واحد من أكثر الأنواع جرأة وإثارة: الرعب. إذ أعلن عن تحضيره لسلسلة رعب جديدة مخصصة لرمضان 2027، تتكوّن من أربع حكايات مستقلة مستوحاة من الواقع والفولكلور الشعبي الخليجي، في تجربة تقوم على المزج بين القصص الحقيقية والأساطير المحلية.
https://www.instagram.com/p/DXKOXxoDYWy
ويأتي هذا المشروع ضمن امتداد لمسار بدأه الماروق في أعماله الأخيرة مع المنصة نفسها، سواء عبر سلسلة “وحوش” أو من خلال حكاية “عرس الجن” التي لاقت صدى واسعًا، لتؤكد جميعها توجّهًا واضحًا نحو استثمار الموروث الشعبي الخليجي في قالب درامي يميل إلى التشويق والرعب.

وتبدو هذه الخطوة محاولة جديدة لإعادة تقديم دراما الرعب عربيًا برؤية إنتاجية حديثة، في وقت لا يزال فيه هذا النوع محدود الحضور مقارنة بالانتشار العالمي الواسع لأعمال الرعب، ما يجعل المشروع اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الدراما العربية على تحويل الفولكلور المحلي إلى مادة بصرية قادرة على المنافسة.
الرعب في الدراما العربية
على امتداد السنوات، ظلّ الرعب في الدراما العربية حاضرًا كفكرة أكثر منه كنوع درامي مكتمل، إذ بقي موزعًا بين محاولات متفرقة لم ترقَ إلى مستوى “التيار” أو الصناعة المستمرة، على عكس ما حققته الدراما العالمية في هذا المجال.
ومع ذلك، يمكن رصد بعض التجارب التي اقتربت من عوالم الرعب أو اشتغلت عليه بشكل جزئي. من أبرزها المسلسل المصري “ساحرة الجنوب” الذي عرض عام 2015، تدور أحداثه حول المجتمع الصعيدي ومشاكل القرية والصراعات الاجتماعية بين العائلات، وقدّم مزيجًا من الغموض والعوالم الشعبية المرتبطة بالسحر والدجل، وحقق انتشارًا جماهيريًا لافتًا رغم طابعه الميلودرامي.

كما قدّم مسلسل “كوفيد-25” بطولة يوسف الشريف محاولة للاقتراب من الرعب عبر بوابة الخيال العلمي ونهاية العالم، حيث ساد الغموض وأجواء الخطر الوجودي، حتى وإن لم يذهب العمل إلى الرعب الصريح.
وفي سياق آخر، ظهرت أعمال مثل “البيت بيتي” التي مزجت الرعب بالكوميديا داخل إطار خفيف يعتمد على المفارقة أكثر من بناء الخوف الحقيقي، ما جعله أقرب إلى “الرعب الترفيهي” منه إلى الرعب النفسي الكلاسيكي.
“المدّاح”.. الرعب في ثوب الدراما الجماهيرية
يُعد مسلسل “المدّاح” بطولة حمادة هلال واحدًا من أبرز التجارب العربية التي أعادت فتح الباب أمام حضور العوالم الماورائية في الدراما الرمضانية، لكن ضمن صيغة خاصة لا تنتمي إلى الرعب الخالص بقدر ما تقترب من “التشويق الغيبي” الموجّه للجمهور العريض. فالمسلسل، الذي تطوّر عبر أجزائه، انتقل من حكاية ذات طابع اجتماعي إلى عالم يواجه فيه البطل قوى الجن والسحر والشعوذة، في سردية تعتمد على المزج بين الإيمان الشعبي والدراما الترفيهية.

ورغم هذا الانفتاح على موضوعات عادة ما تُصنّف ضمن الرعب، إلا أنّ “المدّاح” قدّمها ضمن إطار آمن ومُؤطر دراميًا، يخفّف من حدّة الخوف لصالح الإثارة والتشويق والاستمرار الجماهيري. لذلك، يُنظر إليه نقديًا كحالة وسطية: لا هو رعب بالمعنى السينمائي الصرف، ولا هو دراما اجتماعية تقليدية، بل نموذج عن كيفية “تطويع” الرعب عربيًا ليصبح أكثر قبولًا داخل الموسم الرمضاني العائلي.
أما في بعض الإنتاجات الخليجية والعربية المتفرقة، فقد جرى توظيف الفولكلور الشعبي والقصص المرتبطة بالجن والأساطير بشكل لافت، لكن غالبًا ضمن حدود الإيحاء والتشويق أكثر من بناء عالم رعب متكامل. هذا المشهد يعكس حقيقة واضحة: الرعب في الدراما العربية لم يُمنح بعد فرصة التحوّل إلى نوع قائم بذاته، بل ظلّ يتحرك داخل مساحات جانبية بين التشويق والفانتازيا والدراما الاجتماعية.
الرعب في السينما العربية
مقابل الحذر الواضح الذي يطبع الدراما التلفزيونية العربية، بدت السينما أكثر جرأة في الاقتراب من عالم الرعب، وإن بقي ذلك في إطار تجارب متقطّعة لا ترقى إلى تكوين تيار سينمائي مستمر. فمنذ وقت مبكر، حاولت السينما المصرية اختبار هذا النوع عبر أعمال مثل “التعويذة” الذي قدّم أجواءً غامضة تميل إلى الرعب النفسي، و”الإنس والجن” لعادل امام الذي مزج بين الرعب والدراما الاجتماعية في إطار تجاري جماهيري.

ومع تطور الصناعة، عاد هذا الاتجاه بشكل أكثر نضجًا مع فيلم “الفيل الأزرق” بجزأيه، الذي نقل الرعب من المؤثرات التقليدية إلى الرعب النفسي القائم على الهلوسة والعوالم الداخلية والصراع مع الذات، ما جعله أحد أبرز النماذج العربية الناجحة في هذا المجال نقديًا وجماهيريًا.
ورغم ذلك لا يزال الرعب في السينما العربية قائمًا على المبادرات الفردية، دون أن يتحول إلى صناعة مستقلة أو مسار إنتاجي واضح، ما يجعل حضوره أقرب إلى “الاستثناءات الناجحة” منه إلى القاعدة.
بين سوق محافظ وكتابة لم تكتمل أدواتها
لا يبدو تعثّر الرعب في الدراما والسينما العربية مرتبطًا بذائقة الجمهور وحدها، بل بمنظومة إنتاجية كاملة تميل إلى “الأمان” وتتحفّظ على المغامرة. فالمخاوف الاقتصادية من هذا النوع، إلى جانب حساسية الرقابة تجاه العوالم الغيبية والمضامين الصادمة، تجعل الرعب خيارًا غير مفضّل داخل سوق يبحث عن نسب مشاهدة مضمونة. ويضاف إلى ذلك إشكال أعمق يتعلق بالكتابة الدرامية، التي غالبًا ما تعتمد على الصدمة السريعة بدل بناء التوتر النفسي التدريجي، ما يمنع تشكّل تجربة رعب مكتملة الأركان.
رهان مفتوح على الجرأة البصرية
بين كل هذه المحاولات العربية المتفرقة في الرعب، يبقى مشروع سعيد الماروق خطوة جديدة تُختبر فيها حدود هذا النوع في الدراما العربية، خصوصًا أنه يدخل إليه بخبرة طويلة في الإخراج البصري وصناعة الكليبات، حيث يعتمد على الصورة المكثفة واللغة الإخراجية الجاذبة كأحد أبرز عناصره.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل ينجح الماروق في ما تردّد عنه كثيرون من قبله، ويحوّل الرعب من تجربة مؤجلة إلى مساحة درامية حقيقية، مستفيدًا من أدواته البصرية وإبداعه في بناء المشهد، أم يبقى هذا النوع أسير الحذر الإنتاجي والتجارب غير المكتملة؟
سؤال يبقى مفتوحًا على ما ستكشفه التجربة القادمة، بين طموح كسر القاعدة، وواقع صناعة لم تحسم بعد موقفها من الخوف كنوع درامي قائم بذاته.

Checklebanon



