خاص – وداعاً عبد الرحمن أبو زهرة.. آخر حراس الفصحى والوقار

أغمض الفنان المصري القدير عبد الرحمن أبو زهرة  (92 عاماً) عينيه يوم أمس، ومعه طُويت صفحة ناصعة من كتاب “زمن العمالقة”.

لم يكن هذا الرجل ذو الوجه الصبوح، مُجرّد ممثلٍ يؤدي أدواراً، بل كان صرحاً من الوقار، وصوتاً يحمل في طيّاته هيبة المسرح المصري وعراقة اللغة العربية، وحتى في دبلجة الرسوم المتحرّكة كانت حضور الصوت يفرض الوقار.

في حضرة الغياب

يبقى ذكر اسم عبد الرحمن أبو زهرة يعني استحضار النبرة الصوتية الرخيمة، التي زيّنت الأعمال التاريخية والدينية، فقد كان واحداً من أسياد العربية الفصحى، حيث يمنح الشخصيات التاريخية أبعاداً إنسانية تجعلك تشعر بأنّك تشاهد العصر العباسي أو الأندلسي يتجسد أمامك.

لم يتوقف إبداعه عند الواقع التاريخي، بل أبحر بنا في عوالم “ألف ليلة وليلة”، فكان صوته وأداؤه جزءاً لا يتجزأ من سحر الأساطير الشرقية، وبوابةً عبرنا منها إلى مخيلة طفولتنا، حيث يمتزج الخيال بالرقي والجمال.

المعلم سردينة”: فلسفة الحكمة والشهامة

وإذا كان التاريخ قد منحه الهيبة، فإنّ الدراما الاجتماعية منحته الخلود في قلوب البسطاء من خلال شخصية “المعلم سردينة” في ملحمة “لن أعيش في جلباب أبي”.

“يا عبد الغفور.. الصنعة دي أمانة” بهذه الروح، قدّم أبو زهرة نموذجاً استثنائياً للمعلم الشعبي؛ ليس ببلطجته بل بحكمته، وأخلاقه، وترفعه. كان سردينة هو “الأب الروحي” الذي لم يبخل بنصيحة، وكان الرمز للشهامة المصرية الأصيلة التي تفتخر بمهنتها وتصون عهدها.

استطاع عبد الرحمن أبو زهرة أن يجعل من هذه الشخصية مدرسة في الأخلاق، تدرسها الأجيال في كيفية الصعود والنجاح بشرف.

قيمة لا تعوض

رحل “أبو زهرة” تاركاً خلفه فراغاً لا يملؤه إلا تراثه العظيم. لم يكن يطارد “التريند” أو يبحث عن صخب الشهرة الزائفة، بل كان زاهداً، شامخاً، يختار أعماله بعناية من يختار الذهب وسط الركام.

برحيله، نفقد واحداً من الحرس القديم الذين صانوا قيمة الفن، وتعاملوا مع الكلمة بقدسية، ومع الجمهور باحترامٍ لم يتبدل بمرور العقود.

نم قرير العين، فلقد تركت لنا إرثاً يثبت أن الفن الراقي يبقى، وأن السيرة العطرة هي أطول عمراً من أصحابها. ستظل حياً في كل جملة حكيمة قالها “سردينة”، وفي كل بيت شعر نطقته في مسرحياتك، وفي كل ومضة إبداع علمتنا فيها معنى “الرقي”.

الراحل في سطور

يُعد عبد الرحمن أبو زهرة أحد كبار فناني المسرح القومي وصاحب مسيرة فنية ناجحة، بدأت منذ تخرجه في معهد الفنون المسرحية 1958، حيث لعب بطولة عدد كبير من المسرحيات.

قدم أعمالاً تلفزيونية عديدة بارزة، من بينها: “عمر بن عبد العزيز”، “الوعد الحق”، “لن أعيش في جلباب أبي” وسواها الكثير.

كما شارك في أفلام سينمائية عديدية منها: “النوم في العسل”، “حب البنات”، “طلق صناعي” وآخرها “أهل الكهف”.

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة