🟠خاص شدة قلم: زقاق البلاط “تحت الإقامة الحزبية” (2/2)!

أما وقد فتحتُ في الجزء الأول من مقالتي “جرح 4 عقود من العمر”.. فإنْ نقطتي الثانية لا يمكن أن أعبر عنها إلا بـ”سرقة ملامح زقاق البلاط الحي البيروتي العريق.. مرتع الطفولة والصبا والشباب.. الحي الذي غادرته بعدما ولجتُ عقدي الثالث.. نتيجة تبدّل أحواله وتشوّه مُحيّاه.. فما عاد للكلمة الصريحة ولا للموقف الصادق أي مكان فيه..
ورغم ذلك لا تزال الروح تهوى إلى مسقط الرأس.. حيث الذكريات الأولى والأثر الأكبر في رسم الشخصية وصقل الفكر والتفكير..
أستعيد سنوات العُمر الأولى التي كان لـ”حزب الله”.. خلالها كل الحب والتقدير والاحترام.. يوم كان حزباً مُقاوماً يُدافع عن الوطن والأرض والعرض والدين.. وقبل أنْ “يتأيرن” ويرفع لواء “الولي الفقيه” و”ملالي إيران” و”عقيدة صاحب الزمان”..
وأيضاً لم تسلم السنوات الحلوة من بعض المرارات.. حيث أذكر يوم كُنتُ فتى يافعاً وقد اندلعت اشتباكات ومواجهات مُسلّحة في الحي.. حتى أصبحت فراغات الرصاص تتساقط على سطح منزلنا المصنوع من الأترنيت.. فسألت والدي عن السبب وعمَنْ يتقاتل فكان الجواب “زعران الحزب والحركة”..
الحي الذي رغم مشيئة أهله.. بدّل بناء “حسينية السيدة الزهراء” في تسعينيات القرن الماضي مُخطّطات نهضته.. المُستكمِلة لإعادة الروح إلى “خط نبض قلب العاصمة” وأسواقها التجارية.. لكن للأسف وبسبب “الحسينية” التي حالت دون إنعاش الحي.. الذي وُضِع بمرور السنوات “تحت الإقامة الحزبية”.. فصار أقرب إلى صورة مُصغّرة عن الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين..
زحف “الممانعجيون” إلى زقاق البلاط وجواره.. اشتروا العقارات وهدموا الأثر الأصيل وبنوا بالإسمنت المُسلّح.. وصولاً إلى ميلاد “مُجمّع أهل البيت” الذي لا تفصله عن منزلنا سوى ثلاثة أمتار.. ويومياً كُنّا على تماس مع أصوات “ازلام إيران”.. وصولاً إلى عدوان تموز 2006.. والشاحنات المُحمّلة بالفرش الإسفنجية ظاهراً.. ووحده الله على بيّنه مما كانت تُخفيه باطناً..
وكرّت سبحة السنوات وأصبح الحي في كل “موسم عاشوراء” أسيراً لقطع الطرقات.. بسبب إحياءات أمسيات اللطميات.. وصولاً لــ 7 أيار 2008.. وقفتُ أواجه الموت والـm16 المُسدّد إلى صدري في ظلام دامس بمحلّة الملا.. بعدما اختار “شوية زعران” التسلية وأطلقوا النار على ضوء الشارع.. ولم يُنقذني منهم إلا “صيت والدي العطر”.. ومعرفة أحدهم – لا أعرف هويته إلى اليوم بسبب الظلام – بوالدي “رحمة الله عليه”..
يقول المثل “شو بدي إذكر منك يا سفرجلة.. كل لقمة بغصّة”.. وبالفعل إذا ما أردْتُ أنْ استرجع من الذاكرة حكايا عمّا فعله “سلاح الاستقواء والهيمنة”.. أسرد الكثير والأكثر وأروي عن زمن تحوّل فيه “أهل الحي البيارتة الأصليين” إلى أقليّة.. وتفشّى “زواحف البيئة” في الحي كالسرطان.. عبروا من الخندق الغميق إلى البسطة فزقاق البلاط.. ومن المصيطبة إلى الضناوي فزقاق البلاط.. وكل ذلك لأنّ هذا الحي صلة الوصل مع قلب العاصمة بيروت.. وما زحفهم إلى وسط بيروت في العام 2006 ونصب الخيم وتشويه المدينة إلا دليل على ما أقول وأروي..

مصطفى شريف – مدير التحرير



