🔔خاص – في حضرة الغياب إنكشف المشهد: “الفراغ فَضَحَ” المتسلّقين!

لم يعد الحضور السياسي في لبنان يُقاس بعدد المؤتمرات أو ضجيج الخطابات، بل بوزن الغياب حين يخلّف فراغاً يفضح الجميع. ومنذ اعتكاف الرئيس سعد الحريري عن العمل السياسي، انكشف المشهد السُنّي – بل الوطني – على حقيقته العارية: ساحة بلا مرجعية، أصوات بلا مضمون، ونوّاب يصرخون كثيراً لأنّهم لا يملكون ما يقولونه.
هكذا تحوّل “الغائب الحاضر” إلى حاجة وطنية، يطالب به الخصوم قبل الحلفاء، لا حبّاً به بالضرورة، بل خوفاً من الفوضى التي خلّفها غيابه، حيث لم يكن اعتكاف “أبو حسام” مجرّد انسحاب فردي من الحياة السياسية، بل شكّل زلزالاً هادئاً في البنية السياسية للطائفة السُنّية، التي لطالما قامت على فكرة المرجعية الجامعة.
ومع ابتعاد “الحريرية السياسية”، لم يظهر البديل، لا تنظيماً ولا خطاباً ولا مشروعاً، بل ظهرت شظايا متناحرة، كلٌّ يدّعي تمثيل الشارع، فيما الشارع نفسه ازداد يتيماً وضياعاً.
ثقل الفراغ السياسي
خلال جلسات مناقشة الموازنة، بدا مجلس النوّاب وكأنّه مسرح مفتوح للاستعراض لا للمحاسبة. خطابات رنّانة، شعارات إصلاحية مستهلكة، ومزايدات لفظية لا تُنتج سياسة ولا تحمي لقمة الناس.
هنا تحديداً برز السؤال المؤلم: أين الثقل السُنّي القادر على التوازن، على التفاوض، على قول “لا” حين يجب و”نعم” حين تقتضي المصلحة الوطنية؟، الفراغ لم يكن نظرياً، بل تُرجِم ارتباكاً، وغياب رؤية، وبرز بوضوح “نعيق” نوّاب الغفلة والفرص الضائعة، فحضروا وتكلّموا بالإنشاء، وسقطوا سريعاً في مستنقع المصالح نفسها التي وعدوا الناس بمحاربتها.
وهم التغيير وسقوط الأقنعة
كثيرون ممّن تصدّروا المشهد بعد الحريري فعلوا ذلك تحت عناوين براقة: تغيير، إصلاح، سيادة، شفافية. لكن التجربة القصيرة كانت كافية لكشف الهشاشة. فلا التغيير حصل، ولا الإصلاح بدأ، بل أُعيد إنتاج السلوكيات نفسها: صفقات، تسويات رمادية، وصمت مريب عند الاستحقاقات الكبرى.
وهنا تتجلى المفارقة القاسية: غياب سعد الحريري فضح ليس فشله، بل فشل مَنْ ادّعوا أنّهم البديل الأفضل عنه. أما الذين دفعوا – سياسياً ومعنوياً وشعبوياً – نحو إخراج سعد الحريري من المعادلة، أخطأوا التقدير مرتين: (1) حين ظنّوا أنّ إضعافه يعني تقوية حضورهم، (2) حين اكتشفوا متأخرين أن الفراغ لا يبني دولاً، بل يفتح شهية الانهيار.
مهما كره الغافلون!!
مهما اختلف اللبنانيون على الحريري، لا يمكن إنكار أنّه شكّل في مراحل عديدة صمّام أمان، وحلقة وصل داخلية وخارجية، وواجهة اعتدال في زمن التطرّف السياسي والانقسام الحاد.
سعد الحريري اليوم ليس مجرد زعيم معتزل، بل مرآة تعكس إفلاس الطبقة السياسية الجديدة قبل القديمة. غيابه لم يُنهِ المشكلة، بل كشفها. وفي بلد كلبنان، حيث السياسة تُقاس بميزان الطوائف والتوازنات، يصبح الغياب أحياناً أبلغ من كل الخطب.
قد لا يكون الحريري الحلّ السحري، لكنه بالتأكيد كان – ولا يزال – دليلاً على أن من ظنّ نفسه بديلاً، لم يكن سوى فراغٍ يمشي على قدمين.

خاص Checklebanon



