🔔خاص – مؤتمر دعم الجيش: لماذا باريس وليس الرياض؟؟

لم يكن الحديث عن مؤتمر دعم الجيش اللبناني تفصيلاً عابراً في كواليس السياسة الإقليمية. لأشهر طويلة، سادت قناعة شبه راسخة بأنّ المملكة العربية السعودية مصمّمة على استضافة هذا المؤتمر في الرياض، رغم العروض الفرنسية المتكرّرة لعقده في بيروت أو باريس.
إصرار سعودي قُرئ يومها كرسالة سياسية واضحة: عودة اهتمام، وربما رعاية، للملف اللبناني من بوابة المؤسسة العسكرية، لكن ما جرى يوم أمس قلب المشهد رأساً على عقب. اجتماع موسّع في قصر بعبدا، جمع رئيس الجمهورية جوزاف عون مع ممثلين عن السعودية وفرنسا وقطر ومصر والولايات المتحدة، انتهى إلى قرار مفاجئ: عقد مؤتمر دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي في باريس في 5 آذار المقبل، برعاية مباشرة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وبعد “إجراء الاتصالات اللازمة لتأمين أوسع مشاركة ممكنة”.
علامات الاستفهام وريبة!!
* أول الأسئلة البديهية: لماذا باريس وليس الرياض؟، هل تراجعت الحماسة السعودية؟، أم أن القرار سُحب من يدها؟، وهل نحن أمام ضغط أميركي غير معلن دفع المملكة إلى خطوة إلى الوراء، أو إلى تفويض فرنسي مؤقت لإدارة هذا الملف؟ في السياسة، نادرًا ما يكون تغيير المكان تفصيلاً تقنيًا، وغالبًا ما يكون انعكاساً لتبدّل موازين أو حسابات.
* السؤال الثاني لا يقل أهمية: لماذا آذار بدل شباط؟.. التأجيل في ملفات الدعم المالي والعسكري للبنان ليس تفصيلاً زمنيّاً. كل شهر إضافي يعني مزيداً من الإنهاك للمؤسّسة العسكرية، ومزيداً من التآكل في الاستقرار الهش. فهل التأجيل مرتبط بصعوبة تأمين مشاركات وازنة؟ أم بخلافات غير معلنة حول سقف الدعم، أو شروطه، أو وجهته السياسية؟
* أما العبارة الأكثر إثارة للقلق فهي: “تأمين أوسع مشاركة ممكنة”. هذه الجملة، في لغة المؤتمرات الدولية، غالبًا ما تُستخدم حين تكون المشاركة غير مضمونة. فهل المؤتمر مهدّد بحضور باهت؟ وهل ستقتصر المشاركة على مستوى موفدين وسفراء، بدل قادة وصنّاع قرار؟ والأهم: هل سيحضر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أم أن الغياب سيكرّس رسالة سياسية سلبية؟ في الحالة اللبنانية، مستوى الحضور لا يقل أهمية عن مضمون البيان الختامي.
ماذا لو وألف لو؟!
في المقابل، يبدو أن فرنسا تحاول الإمساك بملف يتراجع تأثيرها فيه يوماً بعد يوم. حراك جان إيف لودريان مستمر، لكنه حتى الآن لم يُترجم اختراقًا حقيقيًا، لا في الشأن الرئاسي سابقاً ولا في مسار الإصلاحات ولا في ملف الدعم الدولي. فهل يشكّل هذا المؤتمر محاولة فرنسية أخيرة لاستعادة دورٍ آفل؟ أم مجرد إدارة مؤقتة لملف بات أكبر من قدرة باريس على التأثير فيه؟
الأخطر من كل ما سبق هو ما بعد المؤتمر. ماذا لو خرج ببيانات دعم عامة، من دون التزامات مالية أو عسكرية واضحة؟ ماذا لو رُبط الدعم بشروط سياسية أو إصلاحية يعلم الجميع صعوبة تنفيذها في الواقع اللبناني الحالي؟ وماذا لو فُهم نقل المؤتمر من الرياض إلى باريس كإشارة إلى برودة عربية إضافية تجاه لبنان، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية؟
على المجهول!!
في الخلاصة، لا يبدو أن تغيير مكان وموعد مؤتمر دعم الجيش اللبناني خطوة بريئة أو تقنية. نحن أمام قرار محمّل بالدلالات، يعكس توازنات دقيقة وضغوطًا متقاطعة، وقد ينتهي إما بجرعة دعم تنقذ ما تبقى من مؤسسات الدولة، أو بمؤتمر أنيق يضيف خيبة جديدة إلى سجل الخيبات اللبنانية.
إما أن يكون مؤتمر باريس محطة إنقاذ أخيرة للمؤسسة العسكرية، وإما أن يتحول إلى إنذار مبكر بأن لبنان يُترك مُجدّداً على حافة الفراغ.. في زمن لا يرحم الدول الضعيفة ولا ينتظر المترددين.

خاص Checklebanon



