خاص شدة قلم: السيادة اللبنانية مرآة مشروخة.. تعكس صورة الدولة المكسورة: من الميثاق إلى الحرب الأهلية.. فالـ”طائف”!

السيادة بين سلاح الطوائف.. والرهانات الخارجية!!

منذ تأسيس “الكيان اللبناني الحديث”، شكّلت مسألة “السيادة” إحدى أعقد الإشكاليات في الحياة السياسية اللبنانية، فوفق النظرية السياسية الحديثة، وخصوصاً منذ “معاهدة وستفاليا” عام 1648 التي أرست مفهوم “الدولة القومية”، تقوم الدولة على “احتكار العنف الشرعي داخل حدودها”، أي أنّ الجيش الرسمي وحده يجب أنْ يكون “صاحب الحق في إدارة القرار الأمني والعسكري”.

لكن لبنان، بطبيعته التاريخية والاجتماعية والسياسية، مثّل استثناءً صارخاً لهذه القاعدة، إذ لم يتمكّن جيشه من أنْ يكون المرجعية الوحيدة للسلاح، بل توازى وجوده مع قوى وتنظيمات مسلّحة استمدّت شرعيتها إمّا من بيئات اجتماعية وطائفية، أو من سرديات المقاومة ضد الاحتلال.

من الميثاق إلى الحرب الأهلية.. فالـ”طائف”
فمنذ الميثاق الوطني عام 1943، ارتسمت معالم إشكالية السيادة اللبنانية، فالميثاق بُنِيَ على معادلة “لا للغرب ولا للشرق”، لكنّه لم يقدّم تصوّراً واضحاً لمركزية الدولة ودورها السيادي، وبدل أنْ يُكرّس احتكار الدولة للعنف، فتح الباب أمام توازنات طائفية جعلت “السيادة” خاضعة دوماً للتجاذب.

ومع اندلاع الحرب الأهلية (1975–1990)، انهارت فكرة الدولة نفسها، وتكاثرت الميليشيات التي احتكرت السلاح على حساب الجيش، فتحوّلت السيادة إلى مفهوم غائب تقريباً.

لكن مع توقيع “اتفاق الطائف” عام 1989، أُعيد الاعتراف بالدولة كإطار جامع للبنانيين، كما أُعيد بناء الجيش والمؤسّسات، إلا أنّ هذا الاتفاق حمل في طيّاته بذور إشكالية جديدة، حيث نصَّ على حلّ جميع الميليشيات، لكنه أبقى على “سلاح المقاومة” في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

هذا الاستثناء زرع بذرة انقسام ستظهر لاحقاً، إذ بينما اعتبر البعض أنّ السلاح الشرعي الوحيد هو سلاح الدولة، رأى آخرون أنّ بقاء سلاح المقاومة جزء من هوية لبنان الأمنية والسياسية.

في ذكرى الحرب الأهلية اللبنانية: #تنذكر_تما_تنعاد

الانسحاب السوري وصراع السيادة
جاء اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 2005 ليشكّل لحظة فاصلة في التاريخ اللبناني، وقلب كل الموازين من دولة على أهبّة الاستعداد للانطلاق كصاروخ إلى التطوّر، إلى صراعات مستمرة حتى اليوم، لكن لعل أحد أهم نتائج “جريمة العصر” كان انسحاب “جيش الوصاية السورية” الذي كان رابضاً على صدور اللبنانيين لسنوات طويلة أنهكت البلد، لتعود مسألة السيادة إلى الطرح على طاولة التشريح بشكل حاد، بلغ مرحلة الاحتكام إلى الشارع.

طالب جزء من اللبنانيين بسيادة كاملة عبر حصرية السلاح بيد الدولة، بينما تمسّك آخرون بـ”شرعية المقاومة” لمواجهة التهديدات الإسرائيلية. هكذا، عادت الإشكالية البنيوية: هل السيادة تُختزل في الدولة وحدها، أم أنّها تُوزَّع بين الدولة و”قوى الأمر الواقع” المرتبطة بالطوائف أو بالاصطفافات الإقليمية؟!!

السيادة كمعضلة بنيوية
لكن ما يجعل الأزمة أكثر تعقيداً هو أنّ السيادة في لبنان ليست شأناً داخلياً فقط، فمنذ نشأة الكيان، ارتبطت بموازين القوى الإقليمية والدولية: من الصراع العربي – الإسرائيلي، إلى الحرب الباردة، إلى التنافس السعودي – الإيراني، فالسلاح خارج الدولة يجد دوماً مبرّراته في هذا السياق: مقاومة الاحتلال، مواجهة الإرهاب، أو تحقيق توازن داخلي. وفي كل مرّة، كانت القوى الخارجية تستثمر الانقسامات اللبنانية لتعزيز نفوذها، ما جعل السيادة رهينة الخارج بقدر ما هي ضحية الانقسام الداخلي.

إذن، المشكلة ليست فقط في وجود سلاح خارج الدولة، بل في غياب التوافق حول تعريف الدولة نفسها: هل هي دولة مواطنة مدنية وحداثوية، تُبنى على عقد اجتماعي جامع يساوي بين الأفراد؟ أم هي مجرّد صيغة توازنية بين الطوائف، تتعايش على حدّ أدنى من الاتفاق، وتعيد إنتاج الانقسام عند كل أزمة؟ إلى أن يُحسم هذا الجواب، ستبقى السيادة اللبنانية عرضة للتجاذب والتآكل.

نحو رؤية جديدة
أي معالجة لمسألة السيادة لا يمكن أن تختصر في نزع السلاح أو دمجه في مؤسسات الدولة، بل يجب أن تبدأ بتسوية سياسية – اجتماعية تعيد تعريف هوية الدولة ورسالتها. السيادة ليست نصوصاً دستورية فقط، بل هي ممارسة جماعية وإيمان شعبي بأن الدولة هي المرجعية العليا. ولا يمكن للبنان أن يستعيد سيادته فعلاً إلا إذا توافق اللبنانيون على مشروع وطني جامع، يتجاوز الحسابات الطائفية ويضع المواطنة في صلب العقد الاجتماعي.

في النهاية، تبقى الأسئلة الكبرى مفتوحة: هل اللبنانيون قادرون على تجاوز أسر الطوائف وبناء دولة مواطنة حقيقية؟ أم أنهم سيبقون أسرى معادلة السيادة المنقوصة والتبعية للخارج؟ وهل ستظل الأجيال المقبلة تتوارث معضلة السلاح والولاءات المتناقضة، أم يقترب يومٌ يجد فيه لبنان طريقه إلى سيادة مكتملة؟.. حتى اليوم، تبقى “السيادة اللبنانية” أشبه بمرآة مشروخة: تعكس صورة الدولة، لكنها تذكّر دائماً بكسور لم تُجبر بعد.

مصطفى شريف – مدير التحرير

مقالات ذات صلة