خاص: لبنان.. تحكمه دويلات الزعران والموتورات والستيرنات والميليشيات والعضلات!

لبنان: كيان بخرائطَ صغيرة..

في بلدٍ يُفترض أن يكون دولة واحدة بجيش واحد وقانون واحد ومؤسسات واحدة، تتفتت الخريطة اللبنانية يومًا بعد يوم، لا إلى محافظات إدارية، بل إلى دويلات صغيرة، كل واحدة منها تحكمها عصابة أو زعيم أو حارس شخصي وسلاح، فتفرض قوانينها وأبجدياتها الخاصة.

“الدويلة الكبرى”
دويلة “الحزب” هي كبرى هذه الدويلات، وأكثرها تنظيماً وتسليحاً، بل هي كيان موازٍ للدولة، له حدوده المتشعّبة كالسرطان المتفشّي، منظومته الاقتصادية، قضاؤه وأمنه الذاتي، وحتى إعلامه المتشرّب من قواعده العقائدية.

وفي هذه الدويلة لا يلجأ المواطن إلى “الدولة غير المعترف بها”، بل إلى “المسؤول التنظيمي”، وبدل أن يكون القانون هو المرجع، يصبح “السلاح هو السيد”، وقوانين “المصلحة الحزبية” وحدها التي تُطبّق، بينما تُفرّغ السيادة الوطنية ن معناها أمام “التحالفات الإقليمية”، فتُستبدَل “الهوية اللبنانية” بالانتماء الطائفي الذي يتفوّق على الانتماء الوطني.

دويلة المولّدات
وعلى هامش هذه الدويلة الأكبر، تتفشّى “دويلات أكثر احتكاكاً وتشابكاً” بالحياة اليومية للناس، كـ”دويلة المولّدات” التي تتحكّم بالليل اللبناني، فيقطع التيار الكهربائي أو يوصل حسب مزاج “الحاج صاحب المولّد”، أو أقلّه وفقاً لـ”جدول التقنين”، ومَنْ لا يرضى بشروط الاشتراك المجحفة، فليكون الظلام مسكنة ومأواه.
أما العدّاد فهو للزينة فقط، والعقد بين المواطن وصاحب المولّد عقد إذعان، يشبه إلى حدٍ بعيد علاقات الاستعمار القديم، حيث يبيع زعيم مافيا الحي الكهرباء على القطعة، لأنّ سعر الكيلوواط مرن، يتغيّر صعوداً حسب الدولار، وحسب شهية الجشع.

كيف بات اللبنانيون رهائن لدى "مافيا المولدات"؟ | اندبندنت عربية

دويلة السيتيرنات
أما مافيا المياه فهي الأخطر لأنّها تخنق ما تبقّى من حياة، بعدما صار الناس ينتظرون “تنكة الماء” كأنها هبة سماوية، ففي بلدٍ تغمره الينابيع ويغرق شتاءً بالأمطار، أصبح الوصول إلى المياه مشروطًا بخضوعٍ ضمني لشبكات “الصهاريج”، وكأنّ المياه ملكيّة خاصة تُمنح حسب الرغبة.
صهريج الماء لا يُقاس بالليترات بل بالمونة والعلاقات، أسعاره فاحشة، ونوعية مياهه الأسوأ على الإطلاق، لكنّها تُضخّ إلى البيوت كل أسبوع، بفضل مافيا منسّقة تحظى بـ”غضّ نظر” رسمي، وتجني أرباحاً تُقدَّر بالملايين، وكأنّ الماء لم يعد من أبسط الحقوق، بل امتيازًا يُمنح لمن يملك “واسطة” أو يدفع الثمن بالدولار أو الخضوع.

150 دولاراً شهرياً للمنزل.. «اقتصاد صهاريج المياه» يرهق عائلات بيروت | إرم  بزنس

الـSecurity مكان الدولة
ولا ننسى شركات الحماية الخاصة التي تجاوزت كل ما هو مألوف في الدول. لا رقابة فعلية، ولا جهة تنظّم عملها. سيارات سوداء بزجاج داكن تجوب الشوارع، مزوّدة بأسلحة مرخّصة وغير مرخّصة، وحرّاس بعضهم مدرّب وبعضهم الآخر من أصحاب السوابق.
تغيب الدولة، فيتولّى هؤلاء حماية المصارف والمطاعم، وبعض الشخصيات النافذة، ويؤدّون دور “السلطة الميدانية” في شوارع العاصمة، في مشهد يليق بعواصم الحروب لا بدولة تدّعي السيادة.

الـVPS سرقة بلا شرف
برزت في السنوات الأخيرة شركات “الفاليه باركينغ” التي حلّت مكان الـ”بارك ميتر” المفلس، لتتحول بدورها إلى دويلة لا تقلّ هيمنة. لا أحد يعرف كيف حصلت هذه الشركات على امتياز احتلال الأرصفة والشوارع العامة. شبان بزيّ موحّد يلوّحون بالمفاتيح وكأنهم يملكون الأرض، يفرضون رسوماً لا علاقة لها بأي منطق، ويُجبرون المواطن على تسليم سيارته أو البحث عن موقف في كوكب آخر. تُعامل السيارة كرهينة، والمواطن كضيف ثقيل في وطنه.

فوضى في تسعيرة الـفاليه باركينغ.. وشكاوى المواطنين تتصاعد

قانون الزعران
وأخيراً، تنتشر دويلات الزعران والمستقوين، من زعيم حي إلى ابن نائب سابق، إلى شبّيحة الأحزاب والميليشيات السابقة. في الشوارع وعلى الطرقات وفي السهرات، لا يهم مَنْ أنت، بل مَنْ يعرفك ومَنْ يغطّيك.
كلمة “أنا من طرف فلان” تفتح الأبواب، وتغلق أفواه القضاء، ويفرض “الأزعر” نفسه بالقوة، فيُهدّد ويتوعّد، ويحتلّ الحيّز العام دون أي رادع. في هذه الدويلة، القانون هو العضلات، والمنطق هو “بمين مستقوي”؟!

اللبناني آكلها
وفيما طبعاً وطبعاً لم ننس دويلات التهريب ومافيات الدواء وأباطرة المخدّرات وتجّار السلاح، لكن نكتفي بهذا القدر من الدويلات، وننظر إلى حال اللبناني فنجده يقف حائراً، لا يعرف إلى أي “دويلة” ينتمي، ولا تحت راية مَنْ عليه أن يحتمي. هل يرفع علم لبنان، أم علم “مولّد الحي”، أم شعار “الحماية مقابل الخضوع”؟!

اللبناني لم يعد مواطناً، بل “محظي” في إمارة فوضوية، يدفع الجزية دون أنْ يُعطى شيئاً مقابلها سوى الذل، فيتحوّل إلى لاجئ داخل وطنه، ويعيش في بلد يتقاسمه الغير، وتتناتشه المصالح، بلد لطالما تغنّى بالحرية والتعدّد، واليوم لم يعد سوى رقعة ممزّقة بين طامعين، أشباه دول تتناحر على جثة وطن، ينهشونها بالتقسيط، ويقتسمون “الغنائم” أمام أعين شعبٍ منهك، لكنه ما زال يصمت، وربما، ما زال يأمل.

قريباً... قانون جديد لضبط فوضى "الفوميه" في لبنان!

مصطفى شريف – مدير التحرير

مقالات ذات صلة