خاص: “موسم القلق” بين السياحة وطبول الحرب: السيناريوهات المحتملة لما تبقى من الصيف!

كأنّ لبنان يعيش فصولًا متعدّدة في وقتٍ واحد، ففيما تتزيّن واجهات المطاعم والمقاهي لاستقبال المغتربين والسياح، تُقرع طبول الحرب على الجبهة الجنوبية، ويعلو الضجيج في الإعلام العبري والعربي وحتى المحلي، عن “ساعة الصفر” و”الضربة الاستباقية”، بينما الداخل اللبناني يتأرجح بين الإنكار والقلق، وبين الأمن الهشّ والخرائط العسكرية التي تُرسم في الغرف المغلقة.
تهويلٌ أم تهيئة؟
مع دخول لبنان في شهر آب، المُصنّف شهر الاستحقاقات، لاسيما الذي سيُقر في ختامه مصير التجديد لـ”قوات اليونيفل”، تتسارع التسريبات والتقارير الإسرائيلية والغربية، وتتماهى معها بعض العربية، التي تتحدّث عن سيناريوهات مواجهة “شاملة” مع حزب الله.
وزير الدفاع الإسرائيلي يُهدّد، ورئيس الأركان يستعرض، والإعلام العبري يُسرّب خطط الاجتياح. أما في المقلب اللبناني، فيبدو أنّ الحزب لا يستبعد شيئاً، ويستمر في رفع جهوزيته العسكرية على طول الحدود، معلناً بوضوح أنّ أي اعتداء لن يمرّ دون ردّ “مناسب وموجع”.
هذا التوتّر القائم ليس جديداً، لكنّه هذه المرّة يتغذّى من السياق الإقليمي المتفجّر: غزة ما زالت تنزف، سوريا تحت نيران الغارات والاقتتال الداخلي، إيران وإسرائيل تتصارعان في العلن والخفاء. ومع كل تصعيد جديد، يبدو لبنان وكأنّه الواجهة الجاهزة لأي اشتباك موسّع، لا سيما في ظل الرسائل المتبادلة عبر الحدود.
الناس بين البحر والملاجئ
رغم هذا المناخ، لا تزال الحياة اليومية في بيروت والمدن الكبرى تسير بشكل شبه طبيعي. الشواطئ مكتظة، والمهرجانات مستمرة، والمغتربون يتوافدون على البلد المنهك، وكأنهم يراهنون على “الصيف الأخير” قبل عاصفة قد تأتي أو لا تأتي.
لكن تحت هذه القشرة من الحياة، يتنامى القلق الشعبي بهدوء. لا أحد ينسى “تموز 2006″، ولا أحد يثق بأنّ الضربات القادمة – إنْ وقعت – ستكون “محصورة”. الجميع يعلم أنّ إسرائيل لن تفرّق بين مقاتل ومدني، وأنّ حزب الله – في حال المواجهة – سيضرب في العمق الإسرائيلي دون هوادة، ما يعني أنّ التصعيد المقبل لن يكون “استعراض عضلات”، بل حرباً مُدمِّرة من الجهتين.
تحرّكات الدولة بين الرمزية والفعل
خلافًا لصمتها المعتاد، بدت الدولة اللبنانية في الأيام الأخيرة، وكأنها تحاول اللحاق بالمشهد، فقد وجّه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون كلمة لافتة في الأوّل من آب، أكّد فيها أنّ لا سلاح يجب أن يبقى خارج إطار الدولة، ما اعتُبر أوّل موقف رئاسي واضح بهذا الحجم، كذلك، أعلنت الحكومة عن جلسة ستُعقد الثلاثاء المقبل خصيصاً لمناقشة ملف السلاح في لبنان، في ظل تصاعد التوتر على الحدود.
هذه التحرّكات، وإنْ كانت رمزية الطابع حتى الآن، تعكس محاولة لاحتواء الغضب الداخلي وطمأنة المجتمع الدولي، لكنّها لا تُخفي الواقع بأنّ القرار الأمني والعسكري ما زال بعيداَ عن المؤسّسات الرسمية.
السيناريوهات المحتملة لما تبقى من الصيف
1. التهويل دون حرب: هو السيناريو المرجّح حتى الآن. استمرار المناوشات الإعلامية والرسائل النارية المتبادلة على الحدود، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. هذا السيناريو يُبقي الناس في حالة ترقّب، لكنه يجنّب البلاد الانفجار الكبير.
2. حرب محدودة الزمان والمكان: تصعيد موضعي يستمر أياماً، يشمل الجنوب وبعض المواقع الحساسة، لكنه ينتهي بتدخل دولي سريع. هذا السيناريو خطر جداً نظراً إلى الهشاشة البنيوية للدولة اللبنانية.
3. حرب شاملة: هو السيناريو الأكثر سوداوية. مواجهة تمتد من الحدود إلى العمق، تقلب الصيف رأساً على عقب، وتُغرِق لبنان في موجة لجوء، دمار، وانهيار اقتصادي تام. لا أحد يريد هذا السيناريو، لكن الجميع يتحسّب له.
صيف على صفيح ساخن
ما تبقّى من صيف 2025 في لبنان لا يُقاس بعدد السهرات أو حجوزات الفنادق، بل بمدى القدرة على البقاء في حالة توازن بين الاحتقان والحياة. كل شيء معلق على خيط، وكل يوم يمر دون انفجار هو مكسب.
لكن لبنان، المعلق دائماً بين الحياة والموت، يعرف جيداً أنّ ما يُطبخ للمنطقة لا يوفّر أحداً، والمشكلة الأكبر أنّ اللبنانيين فقدوا حتى حق السؤال: هل نحن ذاهبون إلى الحرب؟ أم أنّنا نعيشها أصلاً، ولكن دون صواريخ؟!

مصطفى شريف – مدير التحرير



