العميد الركن بهاء حلال لموقعنا: لبنان على أعتاب مفترق خطير… والحزب ليس بحاجة لـ”داعش” للتمسك بسلاحه!

أطرف محلية تتماهى مع الضغط الخارجي ولا يهمها نشوب حرب أهلية
تاريخياً كل مَنْ سلّم سلاحه كان للتسليم عواقب وخيمة من مجازر وقتل
حزب الله ليس بحاجة لـ”داعش” للتمسك بسلاحه المقاوم للعدو الإسرائيلي
السويداء عقدة ديموغرافية وعسكرية مهمّة بين الجنوب السوري والشرق
الإبادة الحاصلة في جنوب سوريا لا تنفصل عن “الشرق الأوسط الجديد”
“ممر داود الإسرائيلي” وإعادة تشكيل جغرافية النفوذ أساس أزمات المنطقة
اجتماعات باكو فشلت لرغبة الشرع بفرض سيطرته على كل المكون السوري
الموحّدون الدروز في السويداء في موقف لا يُحسدون عليه بين الحماية والقلق

*******************

هو رجل خَبِر الحياة بمدنيّتها و”عسكرها”. هو صاحب الرأي والموقف والتحليل الاستراتيجي الصائب. هو العميد الركن الخبير في المجال العسكري والأمني.. ولكنّه أيضاً وأيضاً مالك الكلمة الطيّبة وعذب الكلام والشعر..

تقاعد عملياً من الحياة العسكرية، لكنّه قلباً وقالباً ومضموناً لا يزال مرجعاً في علاقات الدول، التي تحكم متغيّرات عالم اليوم، ليُرفقها بعلاقاته الشخصية الواسعة ..

يظهر على الشاشات في تحليل منطقي لما يجري في لبنان والعالم من احداث مرتبطة ببعضها البعض، إنّه الباحث في الشؤون العسكرية والعلاقات الدولية العميد الركن بهاء حلال، الذي كان لموقعنا معه هذا اللقاء الدسم والمليء بالرؤى والتحليلات التي تصب في صميم الأحداث.

حاورته رئيسة التحرير إيمان أبو نكد:

* كيف تطوّرت الأحداث في محافظة السويداء السوري؟!.. وما الهدف منها في نهاية المطاف؟!

– منذ أسابيع عدّة تتصاعد التوتّرات في محافظة السويداء “جنوب سوريا”، حيث تحولت احتجاجات درزية إلى اشتباكات دموية، مصحوبة بتدخّلات مباشرة أو غير مباشرة من أطراف دولية وإقليمية، وما يبدو للوهلة الأولى كأزمة داخلية بين السلطة المركزية والمجتمع المحلي له خصوصياته التاريخية، يتكشّف في العمق أنّه جزء من مشروع جيوسياسي أعقد بكثير، وهو “ممر داود الإسرائيلي”، وما يرتبط به من إعادة تشكيل جغرافية النفوذ والعبور في الشرق الأوسط الجديد.

وإذا سألنا: لماذا السويداء؟، فالجواب لأنّها ليست مُجرّد مدينة درزية ذات طابع خاص، بل تقع في قلب هذا الممر الجيوسياسي، وتشكل عقدة ديموغرافية وعسكرية مهمّة بين الجنوب السوري والشرق، خاصة باتجاه التنف والمناطق الكردية، ولأنّ إسرائيل تعتبر وجود مجموعات سنيّة، كانت ترتكز على أُسُس إرهابية على مقربة من هذا الممر، الذي تريد أنْ تنظّمه، ما يُشكل تهديداً محتملاً، فإنّ السيطرة الناعمة أو الحادّة على السويداء، باتت هدفاً استراتيجياً لإسرائيل، وهذا ما يُفسّر محاولة اختراق النسيج الدرزي عبر التحريض المحلي، مثل تغذية الاحتجاجات أو حتى اللعب على وتر الحماية الإسرائيلية، كما جاء في تصريحات مسؤولين إسرائيليين.

لقاءات باكو “الفاشلة”
هنا لا بد من أنْ أًعرّج على الاجتماعات التي جرت في مدينة باكو الأذربيجانية بين أحمد الشرع ومسؤولين إسرائيليين، والتي لها أهمية كبيرة كونها لم تتمخض إلا عن عدم الاتفاق على الإملاءات الإسرائيلية، لأنّ لأحمد الشرع يريد أنْ يفرض سلطته الأساسية في سوريا على كل المكوّنات الطائفية، وهذا الموضوع يتسبب بالكثير من المشاكل، وما حدث في الساحل السوري هو دليل، وما يحدث حالياً في السويداء هو دليل أيضاً، لذلك نرى أنّه لم يتم التوصل الى توافق محلي، فإنّ العدو سيستفيد من عدم وجود هذه الاتفاقات، ويعمل على تقسيم سوريا، ومن ثم إعادة قيامها عبر دويلات طائفية وإثنية، وهو ما يؤشر إلى تقسيم كل المنطقة، منها لبنان القابل للتشرذم في قلب مشروع “الشرق الأوسط الجديد”.

عملياً أيضاً في اجتماعات أذربيجان، بُحث في إعادة تشكيل الجنوب السوري، بما يخدم “ممر داوود الإسرائيلي”، إضافة إلى البحث في عملية فتح قنوات التواصل الأمني والسياسي بين سوريا وإسرائيل، ضمن مشروع إعادة هيكلة سورية سياسياً وجغرافياً، والأهم أنّ التصعيد والهجمات على سوريا التي شهدناها من قصف لـ”ساحة الأمويين” و”مبنى هيئة الأركان”، فإنّ العدو الإسرائيلي قام بها لعدم رضاه عن نتائج اجتماعات باكو.

إعادة رسم خرائط النفوذ
من هنا، فإنّ ما يحدث في السويداء لا ينفصل عن الاستراتيجية الأميركية الأشمل، التي كانت تُعرف منذ عهد الرئيس الأميركي جورج بوش الابن بـ”الشرق الأوسط الجديد”، والتي تقوم على تفكيك الدول الكبيرة والمركزية مثل العراق وسوريا، وحتى الدول المحيطة ومنها لبنان، القابل للتحوّل إلى كيانات عرقية وطائفية، بهدف إعادة رسم خرائط النفوذ والتحكم بممرات الطاقة والتجارة، وتحويل إسرائيل من دولة محاصرة إلى محور عبور رئيسي اقتصادياً وأمنياً، خاصة بعد تراجع النفوذ الروسي بسبب الحرب الإقليمية، وتقييد الدور الصيني، لتبدو السويداء ساحة اختبار جديدة لتنفيذ هذا المشروع في سياق التطبيع الإقليمي والتحالفات الجديدة.

لذلك سيكون الدروز في موقف لا يُحسدون عليه، ما بين الحماية والقلق، فالمجتمع الدرزي في السويداء رغم اعتراضه التاريخي على تسلّط النظام السوري السابق، ورغم قيامه بتأييد النظام الانتقالي، إلا أنّه لا يزال ينظر بعين القلق إلى محاولات الاستغلال الخارجي، فالإسرائيليون الذين يرفعون شعار “حماية الدروز” هم أنفسهم مَنْ هجّروا دروز جولان، وقصفوا الجنوب مراراً، لذلك فإنّ قسماً كبيراً من المجتمع المحلي يرفض تدخّل إسرائيل ويطالب بحل وطني شامل، لا يحوّله إلى ورقة في الصراع الإقليمي.

أخيراً مشروع “ممر داوود” يدخل مرحلة التنفيذ العنيف بدءاً من تفكيك السويداء، ووصولا إلى إنشاء منطقة منزوعة السلاح، تمهّد لمرحلة تقسيم أو رسم خرائط جديدة، أما النظام السوري الحالي فبرأيي هو في حالة تفكك سياسي وعسكري مع انتشار “الحالة الفصائلية” في الداخل السوري، ومع انتقال أحمد الشرع إلى موقف التفاوض مع أطراف إقليمية، للضغط على أطراف داخلية للقبول بمشاريع دولية مغلفة بالغلاف المحلي، وقد نشهد مرحلة انتقال للسلطة في سوريا من السلطة الحالية إلى سلطة مدعومة أميركياً، على غرار ما حصل في العراق مثلاً بعد عام 2003، لتبقى السويداء ليست مجرد ساحة احتجاج بل هي مفتاح استراتيجي في مشروع إقليمي أكبر يريد رسم الشرق الأوسط في سياق الجيواستراتيجية المقبلة للمنطقة.


* يُقال بأنّ حزب الله وبسبب امتلاكه لمفاتيح الكثير من التنظيمات الإرهابية، قام بتحريكها في هذا التوقيت لتكون ذريعة من اجل التمسّك بسلاحه، فما رأيكم؟!

– بالنسبة إلى عودة تنظيم “داعش” الإرهابي للمشهد الأمني في سوريا ولبنان والعراق، بعد انكفائه لسنوات، فإنّ الأمر يطرح تساؤلات حول طبيعة هذه الظاهرة، وأسبابها، وما هي الدلائل الميدانية والمعلومات الاستخبارية التي تشير إلى أنّ “داعش” لم يقض عليه بالكامل؟، بل يمكن أنْ يكون حالياً قد أُعيد تشكيله بهيكلية مختلفة ونهوض خلاياه النائمة، بانتظار التوقيت المناسب.

من الناحية الجغرافية عادت عمليات التنظيم في بيئات رخوة أمنياً، كالبادية السورية، أطراف محافظة دير الزور، الحدود العراقية السورية وأحياناً بعض مناطق لبنان الحدودية التي تشهد ضعفاً في السيطرة المركزية مما يسهل إعادة التموضع.

الحزب لا يتذرّع بـ”داعش”
أما عن الجهة التي تقف خلف هذه العودة، فحقيقة سأذهب إلى تحليل واقعي يُظهِر تدخّل عوامل عديدة، فمحليا وسواء تكلّمنا عن أحزاب لبنانية كـ”حزب الله” أو غيره، فليست هناك أي بيئات حاضنة مُتضرّرة اقتصادياً ستُتيح للتنظيم التسلّل مُجدّداً، والحزب تحديداً ليس بحاجة إلى وجود ذريعة كتهديد “داعش” من أجل المطالبة بعدم نزع سلاحه، أو التمسّك بإبقائه، فهناك التهديد الإسرائيلي الكامل والشامل الجاثم على أرض الجنوب وعلى صدر لبنان كاملاً، واليوم أكثر من أي وقت يُعطي تبريراُ لحزب الله بالإبقاء على سلاحه ورفض تسليمه، دون أنْ ننسى أنّ ما يحدث في الإقليم السوري أو في داخل الدولة السورية، إضافة إلى يحدث ضد دروز السويداء أو ضد العلويين من مجازر، يعطي ذريعة لحزب الله على الأقل بالتمسك بسلاحه، دون اللجوء إلى ما “داعش، وتاريخياً كل مَنْ سلّم سلاحه كانت للتسليم عواقب وخيمة من مجازر وقتل لعين.

إدارة خفية لتقسيم الإقليم
أما إقليمياً، فبعض القوى الإقليمية تستخدم الإرهاب كورقة ضغط أو تخويف، لذا نذهب إلى المستوى الدولي، الذي لا يمكن تجاهل أنّ عودة “داعش” تتزامن مع تحولات إقليمية حسّاسة مثل مشروع تقسيم الشرق الأوسط، “الشرق الأوسط الجديد”، الضغط على محور المقاومة والحرب على إيران، ما يرجّح وجود إدارة خفية تسعى لإعادة خلط الأوراق، فالنتيجة “داعش” ليست تنظيماً عفويّاً ممكن أنْ تحرّكه دولة واحدة، بل ظهوره مُجدّداً في هذا التوقيت هو مؤشّر على إعادة توظيفه في مشروع تفتيت استقرار المنطقة، وضرب أي قوة سياسية أو عسكرية تهدّد التوازنات التي ترعاها بعض الدول الكبرى.

* لبنان إلى أين.. وهل نحن مُقبلون بعد زيارة الموفد الأميركي توماس بارّاك على أيام صعبة؟!
– بالنسبة إلى المرحلة المقبلة ووصول توماس باراك، نعم لبنان يبدو مُقبلاً على مرحلة حسّاسة أمنياً واقتصادياً، خاصة مع زيارات باراك التي أتوقّع أنْ تحمل معها نقاشاً حاسماً حول الورقة الأميركية المتعلّقة بسلاح حزب الله وترسيم الحدود ومستقبل العلاقة بين لبنان والعدو الإسرائيلي.
الولايات المتحدة حالياً تسعى إلى فرض توازنات جديدة في المنطقة، بعد التطوّرات في غزّة وسوريا، وتعتبر لبنان “نقطة ارتكاز” مهمة لأي ترتيبات قادمة، لذلك الضغط على الدولة اللبنانية سيتضاعف سواء عبر العقوبات أو إشعال توتّرات أمنية محدودة، كتسلل الخلايا النائمة أو بعض التفجيرات المتنقلة لتحريك الساحة السياسية باتجاه قبول بعض الطروحات الأميركية خصوصاً نزع سلاح حزب الله أو على الأقل تحجيمه.

بين التنازلات والدعم
على الصعيد الاقتصادي من المرجّح أنْ تتوافق هذه الضغوط مع التلويح بإجراءات مالية عبر صندوق النقد أو تجميد مساعدات دولية، ما لم يُظهِر لبنان تجاوباً ملموساً، وهذا يعني أنّ الأزمات المالية والمعيشية ستتفاقم، خصوصاً إذا رُبط الدعم الدولي بتنازلات سياسية.

باختصار لبنان على أعتاب مفترق خطير، إما الرضوخ لتسوية أميركية تغيّر موازين القوى أو مواجهة موجة جديدة من المشاكل الأمنية والاقتصادية، في ظل غياب توافق داخلي فعّال يحمي البلد من الضغط الخارجي، استناداً إلى أنّ هناك أطرافاَ داخلية تتماهى مع الضغط الخارجي، ولا يعنيها إنْ ذهب لبنان إلى حروب أهلية وتوتّرات طائفية من أجل تنفيذ الأهداف الخارجية.

خاص Checklebanon
رئيسة التحرير: إيمان ابو نكد
مدير التحرير: مصطفى شريف

مقالات ذات صلة