الاصلاح والاستقرار: طريق لبنان للانتعاش الاقتصادي في 2025

لا يمكن فصل مسار التعافي الاقتصادي في لبنان عن تعزيز أسس الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي، إذ يُعدّ هذا الاستقرار حجر الزاوية في تهيئة بيئة مواتية للنمو المستدام، وجذب الاستثمارات، والحصول على الدعم الدولي. وفي هذا السياق، يسعى لبنان الرسمي، الذي يستعد للمشاركة في اجتماعات الربيع لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لعام 2025، الى إبراز حسن النية والجهود الحثيثة لإعادة تفعيل الاتفاق المعلّق كخطوة محورية لاستعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني وتحفيز عجلة النمو. ومع النجاح في تحقيق هذه الأهداف، يُتوقّع أن يشهد الاقتصاد اللبناني تحولاً إيجابياً ملموساً، يتمثّل في تحقيق نمو ملحوظ في الناتج المحلي الإجمالي، مدعوماً بتحسّن الأوضاع الأمنية والسياسية الداخلية، ما يُعزّز استقرار الاقتصاد وآفاقه المستقبلية.

نمو مرتقب
في تقرير حديث حول لبنان، توقّعت وكالة “فيتش سوليوشنز” أن يشهد العام 2025 تحرّكات مكثّفة من الأطراف المحلية والدولية للحفاظ على الاستقرار السياسي في البلاد، وهو ما قد يشكّل فرصة حقيقية أمام السلطات اللبنانية للمضي قدماً في تنفيذ الاصلاحات الهيكلية الضرورية بصورة فاعلة. كما يُمكن أن تُسهم هذه الخطوة في تهيئة بيئة محفّزة لاستقطاب التمويل الأجنبي الحيوي، بما يدعم جهود إعادة الإعمار ويُعزز مسار التعافي الاقتصادي المنشود.

من ناحية أخرى، سلّط التقرير الضوء على التداعيات السلبية التي خلّفتها الحرب الأخيرة على أداء الاقتصاد اللبناني، والتي أدّت إلى انكماشه خلال العام 2024. ومع ذلك، أبدى التقرير تفاؤله بإمكان حدوث تحوّل إيجابي في المشهد الاقتصادي، مدعوماً بتحسن الأوضاع الأمنية والسياسية في الداخل. وفي هذا الإطار، توقّع أن يشهد الناتج المحلي الإجمالي نمواً ملحوظاً بنسبة تقارب 6 في المئة خلال العام 2025، مستفيداً من انتعاش الطلب المحلي، وتزايد نشاط القطاع الخاص، إلى جانب التعافي التدريجي لقطاع السياحة.

وفي السياق نفسه، شدّد التقرير على أهمية إعادة بناء علاقات قوية مع دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية، باعتبارها رافعة أساسية للنشاط الاقتصادي. ومن المرجّح أن يُسهم هذا التقارب في استقطاب تدفقات مالية جديدة تُعدّ ضرورية لتمويل مشاريع إعادة الإعمار وتعزيز مختلف أوجه الاستثمار في البلاد.

تحديات وسط التفاؤل
لكن على الرغم من المؤشرات الايجابية، تبقى هناك مخاطر وتحديات جوهرية تهدّد الاستقرار في لبنان. ومن أبرز هذه التحديات الصعوبة في التوفيق بين متطلبات الاقتصاد المحلي والضغوط الخارجية المتزايدة، بالاضافة إلى التهديدات الأمنية المستمرة، خصوصاً الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة داخل الأراضي اللبنانية. هذه العوامل تُشكل ضغطاً إضافياً على الحكومة اللبنانية، ما يحد من قدرتها على فرض سيطرتها بصورة كاملة ويعرقل قدرتها على الحفاظ على الأمن الداخلي والاستقرار الوطني.

وتُعد هذه العوامل من أبرز مصادر التوتر الداخلي، بحيث تنطوي على مخاطر حقيقية يمكن أن تؤدي إلى تأجيج الانقسامات الطائفية، ما يُبقي مستوى التهديدات الأمنية والسياسية مرتفعاً، ليس على المدى القريب وحسب، بل على المدى البعيد أيضاً. كما يُرجّح أن تُفاقم الحسابات والمصالح السياسية الضيقة حالة الانقسام الداخلي، وهو ما يضعف فرص البلاد في الحصول على التمويل الدولي المنشود.

السياسة على الحافة
ووفقاً لما أوردته الوكالة، يسود عدم الاستقرار المشهد السياسي اللبناني، ومن المرجّح أن يستمر هذا الوضع في ظل التقدم البطيء الذي تشهده العملية السياسية، والتطبيق المحدود للإصلاحات الهيكلية الضرورية. ويُعزى ذلك بصورة أساسية إلى استمرار التحدي المتمثل في سعي لبنان إلى تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على استقراره الداخلي والاستجابة للضغوط الخارجية المتصاعدة.

وعلى الرغم من التوقعات بصمود وقف إطلاق النار الهش مع إسرائيل، بما قد يُجنّب البلاد الانزلاق نحو حرب شاملة، إلا أن احتمالات اندلاع اضطرابات سياسية لا تزال قائمة. وفي حين يُستبعد سيناريو العودة إلى حرب أهلية، تبقى التوترات الطائفية المتصاعدة مصدر قلق دائم يُنذر بمزيد من التحديات على المستويين الأمني والسياسي.

ويعكس مؤشر المخاطر السياسية في آذار 2025 هذه الصورة، بحيث سجّل لبنان 65.2 نقطة من أصل 100، ما يضعه في فئة “المخاطر المتوسطة إلى العالية”، وهي درجة تُشير إلى استمرار حالة التوتر وعدم الاستقرار في الساحة السياسية اللبنانية.

أزمة حوكمة
على صعيد الحوكمة، لا تزال التحديات التي تواجه لبنان ذات طابع بنيوي ومعقّد، في ظل الانقسامات الطائفية العميقة، والتجاذبات الاقليمية، واستمرار تأثير قوى سياسية وأمنية متعددة في رسم ملامح المشهد الداخلي. وعلى الرغم من بروز بعض التطورات السياسية الايجابية، مثل انتخاب رئيس جديد يحظى بدعم دولي وتشكيل حكومة جديدة، وهي خطوات تُشير نظرياً إلى تقدّم في تعزيز مؤسسات الدولة وتفعيل دورها في عملية صنع القرار، إلا أن هذا التقدّم بقي هشّاً ومحدوداً، بحسب تقييمات وكالة “فيتش”.

تواجه الحكومة اللبنانية تحديات كبيرة في فرض سلطتها وسنّ السياسات على امتداد الأراضي اللبنانية، في ظل استمرار تصارع المصالح الداخلية، وتزايد التدخلات الخارجية التي تسعى إلى تحويل لبنان إلى ساحة نفوذ إقليمي. كما أن الاصلاحات الهيكلية المطلوبة تُقابل بعقبات جوهرية، تعود في معظمها إلى تشابك المصالح السياسية الراسخة، وغياب توافق وطني فعّال يمكّن من إحداث اختراق حقيقي في منظومة الحوكمة.

وعلى هذا النحو، سجّل لبنان 54.6 نقطة من أصل 100 في المكوّن الفرعي للحوكمة، ضمن المؤشر الصادر في آذار 2025، ما يعكس استمرار التحديات البنيوية التي تعوق بناء مؤسسات فعّالة وقادرة على إحداث التغيير المطلوب.

انقسام يهدد السلم
على المستوى الاجتماعي، يُواجه المجتمع اللبناني جملة من التحديات العميقة، أبرزها توزيع الثروة بصورة غير عادلة، وتدهور خدمات التعليم والرعاية الصحية، بالاضافة إلى الهجرة المكثفة للعقول نتيجة الأزمات الاقتصادية والمصرفية المستمرة. وقد أوجد التفاوت بين المناطق والمدن في جودة الخدمات العامة فراغاً ملأه بعض الأحزاب السياسية، من خلال تقديم هذه الخدمات بصورة مباشرة، ما عزز نفوذه داخل المجتمعات المحلية.

إضافة إلى ذلك، لم يعد نظام التمثيل الطائفي قائماً على توازن يعكس الواقع الديموغرافي المتغيّر، ما يجعل أي محاولة لإعادة النظر فيه محفوفة بمخاطر اضطرابات اجتماعية وسياسية. ومن هنا، تبرز أهمية السعي الى التوفيق بين الحساسيات الطائفية والضغوط الدولية والاقليمية، كعنصر أساسي للحفاظ على الاستقرار الداخلي. فعلى سبيل المثال، إن الدعوات الخارجية لحصر السلاح بيد الدولة، في ظل استمرار التوغلات والانتهاكات الحدودية، قد تؤدي إلى تصاعد التوترات الطائفية، وربما تُشعل موجات عنف تهدد الأمن والسلم الأهلي.

ووفقاً لمؤشر المخاطر السياسية الصادر في آذار 2025، سجّل لبنان 54.4 نقطة من أصل 100 في المكون المتعلق بمخاطر المجتمع.

استقرار أمني هش
لا يزال الوضع الأمني في لبنان يتسم بالهشاشة، بحيث يشكل خطر اندلاع صراع جديد مع إسرائيل التهديد الأكبر لاستقرار البلاد. وقد تجسد هذا الخطر بصورة واضحة خلال الحرب الأخيرة في غزة، التي أسفرت شرارتها عن اشتباكات مباشرة واندلاع حرب أيلول الأخيرة.

وبعد شهرين من القتال العنيف الذي خلف خسائر بشرية واقتصادية فادحة، تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024. وعلى الرغم من ذلك، لا يزال هذا الاتفاق هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة، خصوصاً في ظل استمرار التوترات على الحدود، ووجود القوات الاسرائيلية في بعض المناطق داخل الأراضي اللبنانية، إضافة إلى الهجمات المستهدفة المتواصلة.

وبحسب وكالة “فيتش”، فإن هذه العوامل مجتمعة تحد من قدرة الحكومة اللبنانية الجديدة على فرض سيطرتها بصورة كاملة، ما يعرقل قدرتها على الحفاظ على الأمن الداخلي والاستقرار الوطني.

وإزاء هذه المعطيات، يبقى مستوى المخاطر الأمنية في لبنان مرتفعاً خلال الأشهر القادمة. وبناءً على ذلك، سجل لبنان 64.5 نقطة من أصل 100 في المؤشر الفرعي الخاص بالمخاطر الأمنية، وذلك وفقاً لبيانات مؤشر المخاطر السياسية الصادر في آذار 2025.

لبنان الكبير

مقالات ذات صلة