🟠طموح الشاه «فرسنة” الخليج»: مشروع قديم واستراتيجية مأزومة أثمانها فادحة!

لدى بعض القادة في تركيا والدول العربية قناعة بضرورة الحفاظ على إيران متماسكة، لصيانة موازين القوى الإقليمية، في حين يؤكد الواقع أن استمرار النظام الإيراني الحالي يحشر المنطقة بين خطرين، الأول فارسي، والآخر إسرائيلي.
طموح الشاه.. “فرسنة” الخليج
لقرون خلت، اعتقد الفرس بحقهم في الولاية على الخليج العربي. ظلوا يمنّون أنفسهم بهذا الهدف حتى العصر الحديث، وخاضوا في سبيل تحقيقه منافسة لا هوادة فيها مع الدول العربية. وأتت الفرس فرصتهم مع إعلان بريطانيا العظمى، عام 1968، عزمها الانسحاب من شرق السويس. سعوا إلى انتزاع البحرين وضمها إلى إمبراطوريتهم المسماة إيران، لتكون المحافظة رقم (14)، إلا أن جهودهم مُنيت بفشل ذريع، لتنـال الدولة العربية الخليجية استقلالها عام 1971.
بالرغم من فشلهم في البحرين، فإن النجاح صادفهم في مكان آخر. استغل الفرس الفراغ الأمني الذي تسبب به انسحاب الإنكليز، وفرصة الانشغال الأميركي بحرب فيتنام، ليحتلوا الجزر المفتاحية في الخليج العربي: (طنب الكبرى – طنب الصغرى – أبو موسى)، قبل أيام من ميلاد دولة الإمارات.
مسرح خليجي آخر انسلّ إليه الفرس كان سلطنة عُمان. استجاب الشاه محمد رضا بهلوي لطلب السلطان قابوس بن سعيد، عام 1973، الحصول على دعم إيران في مواجهة متمردي ظفار. أسهمت قوات الشاه في هزيمة “الجبهة الشعبية” عام 1975.
على الرغم من أن المسرح الثالث كان بعيداً عن الخليج العربي، فإن ارتباطه به لم يكن قليلاً على الإطلاق: شمال العراق. اعتباراً من عام 1969، قدّم الشاه دعماً فعالاً للحركة الكردية في العراق، وقطف ثمار دعمه عبر اتفاق شط العرب الشهير، الذي وقّعه مع نائب الرئيس العراقي صدام حسين في الجزائر.
هكذا، وبعد عشرين سنة من إثارة عواصف الأزمات والصراعات في المنطقة، استحق الشاه عن جدارة لقب “شرطي الخليج”. وليس الخليج فقط، فقد كانت للشاه اهتمامات قوية بلبنان تعود إلى أواسط العقد السادس من القرن العشرين.
إلا أن حرب تشرين عام 1973 حملت نتائج كارثية على خطط الشاه. بعد الحرب، خططت الولايات المتحدة للسيطرة على الخليج العربي والتحكم بإمداداته من النفط، بعيداً عن أي قوة إقليمية أو دولية، نظراً لارتباط السيطرة عليه (أي النفط) بترسيخ الهيمنة الأميركية على النظام الدولي، من جهة، ولأن “البترو-دولار” كان حجر الزاوية في معمارية الاقتصاد العالمي الناشئ بعد فك ارتباط الدولار عن الذهب عام 1971.
كانت لحرب تشرين نتائج أخرى أشد وطأة على إيران. لقد قلّصت الحرب أهمية الشاه بالنسبة لواشنطن، مع انتقال الرئيس المصري أنور السادات من المدار السوفيتي إلى الفلك الغربي، الأمر الذي وجّه ضربة لا طبّ لها إلى نفوذ موسكو الإقليمي في الشرق الأوسط وأفريقيا، وكفى الأميركيين شرور السوفييت في هذه الجبهة الاستراتيجية. أخيراً، سهّل تغيير السادات موقع بلاده الدولي على واشنطن نشر قواتها في المنطقة من دون أن تخشى رد فعل سوفيتياً عنيفاً.
انهيار حكم الشاه.. واشنطن والرياض تملآن الفراغ
مع انهيار حكم الشاه في شباط/ فبراير 1979، أسرعت واشنطن والرياض إلى ملء الفراغ الذي نجم عن تراجع قوة إيران، بسبب الفوضى التي شهدتها البلاد عقب عودة الخميني. شكّلت واشنطن، أواخر عام 1979، “قوات الرد السريع” للتدخل في الخليج العربي، كما باركت جهود الرياض لتأسيس “مجلس التعاون الخليجي”، الذي ثبّت عروبة الخليج، وحصّن دوله العربية من تدخلات الإيرانيين الثوريين، الذين أعادوا تدوير خطط جهاز المخابرات الإيراني السابق (السافاك)، الرامية إلى قلب أنظمة الحكم في تلك الدول ونشر النفوذ الإيراني في العراق ولبنان، وأسبغوا عليها طابعهم الخاص، ومرّروها تحت عناوين جذابة، على شاكلة “تصدير الثورة” و”نصرة المحرومين”.
فتّت الحرب الإيرانية العراقية عضد الإيرانيين الثوريين، ودفعت قائدهم إلى تجرّع “كأس السم” في تموز/ يوليو من عام 1988. وكان من نتائج تلك الحرب أنها حطّمت قدرة إيران على تهديد الخليج العربي، وسمحت لواشنطن بنشر أصولها البحرية في مياهه.
وبانتصارها الحاسم على الرئيس العراقي صدام حسين سنة 1991، وسقوط الاتحاد السوفيتي في أواخر السنة ذاتها، تسيّدت الولايات المتحدة الخليج من دون منازع، وأسست قواعد عسكرية جديدة على أراضي دوله. خلال أقل من ربع قرن، خسرت إيران نفوذها في الخليج العربي، بل أصبحت على هامش الأحداث. كانت تلك انتكاسة خالفت شعارات الخمينية الظافرة على الشاه.
خامنئي يحيي خطط الشاه: البداية من بوشهر
لكن الرد الإيراني لم يتأخر. كأي تاجر مفلس، عاد المرشد الأعلى السابق للثورة علي خامنئي إلى دفاتر الشاه، وقلّب فيها النظر حتى اهتدى إلى الحل: إحياء مفاعل بوشهر على الخليج العربي.
في الأساس، كان قرار تأسيس مفاعل نووي في عام 1975، على مياه الخليج، خطوة معادية للدول العربية. تم بناء المفاعل كقنبلة موقوتة في مياه يسكنها العرب على الضفتين، ولتعزيز سيطرة الشاه على الضفتين، وتيسير الحماية الغربية لهيمنته عليهما معاً.
خلفاء الشاه من الثوريين اتفقوا، مطلع عام 1995، مع الروس على إحياء المفاعل، ليكون رأس جبل الجليد لمشروعهم النووي العسكري. وفّر هذا المشروع مظلة استراتيجية لحرب العصابات التي شنّتها طهران ضد الوجود الأميركي في الخليج العربي. جرى تدشين هذه الاستراتيجية عبر تفجيرات الخبر عام 1996، التي تعاون “الحرس الثوري” وحزب الله اللبناني و”حزب الله-الحجاز”، وربما تنظيم “القاعدة”، في تنفيذها.
واتضح أن الحرس الثوري قد اهتدى إلى استراتيجية فعالة للغاية. ارتكزت هذه الاستراتيجية على استنساخ تجربة إيران اللبنانية في دول الخليج العربي، عبر تأطير الشيعة وتحويلهم إلى ميليشيات “خارجة” عن بلدانهم. إلى جانب هذه الركيزة، استثمر الثوريون الإيرانيون ببراعة حالتي القلق والغضب داخل الأوساط العربية من ممالأة النظام العربي الرسمي للولايات المتحدة وانتشار قواتها على فيافي جزيرة العرب، من أجل أن يموّهوا تحركاتهم في أوساط الشيعة العرب.
1995.. العام المحوري في استراتيجية حراس الثورة
بمرور الوقت، سيتم تطبيق هذه الاستراتيجية، بعد لبنان والخليج، في العراق واليمن وأفغانستان وباكستان وسوريا. سيوفّر “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري المظلة الاستراتيجية لاستحداث ميليشيات في تلك الدول، بينما سيلعب قياديون من حزب الله اللبناني (الحجاج) دور القيادة الوسيطة بين جنرالات الحرس والعناصر المخترقة من المجتمعات المحلية.
وحيث أمكن، سيتم التعاون مع الحالات المتطرفة بين ظهراني الأغلبية السنية في المنطقة، بهدف نشر الفوضى وتخريب المجتمعات، وحيث أمكن، سيتم استخدام تلك الحالات ذريعة للتعاون مع واشنطن (وتل أبيب ضمناً)، أو كأدوات لزعزعة النفوذ الأميركي في المنطقة.
باختصار، حوّل “الحرس الثوري” الغضب والإحباط العربيين إلى منجم فرص. وليس معنى ذلك أن الثوريين الإيرانيين مسؤولون عن هذا الغضب وذاك الإحباط، بل إنهم استثمروهما بأشد الصور ضرراً، وساهموا في توسيع وتعميق المآسي في المشرق العربي. أصبحت هذه الاستراتيجية المحرك الخفي بدايةً، ثم المعلن لاحقاً، للأحداث في القسم الآسيوي من بلاد العرب منذ عام 1995، ولا تزال.
تلاقٍ صيني روسي مع ثوريي إيران
تلقت استراتيجية “الحرس الثوري الإيراني” دعماً روسياً وصينياً حذراً لكنه مستدام. بالنسبة إلى بكين وموسكو، كان من شأن تحطيم النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط أن يطلق أيديهما على الساحة الدولية، وأن يدمّر الأسس التي أقامت عليها واشنطن هيمنتها العالمية، وهي: البترو-دولار، والتحكم بإمدادات النفط العالمي، والسيطرة على البحار والممرات الاستراتيجية بين القارات.
لقد دفعت الحرب، التي تفجرت يوم 28 شباط/ فبراير، اللاعبين إلى إلقاء قفازاتهم جانباً، وأزالت الغموض عن استراتيجياتهم الحقيقية.
الحرب مع واشنطن.. ومصير الخليج وغرب آسيا
اعتقد قادة “الحرس الثوري” أنهم نجحوا في توجيه ضربة قاصمة للوجود الأميركي خلال الحرب، في ما يحلو لهم تسميته غرب آسيا، وأن الوقت قد حان لقطف ثمار استراتيجيتهم طويلة الأمد، ونصرهم على الأساطيل والقواعد الأميركية.
ظنوا أن تدمير قدرات الولايات المتحدة العسكرية في المنطقة يمهّد الطريق لاستعادة هيمنة الشاه القديمة على الخليج العربي من بوابة مضيق هرمز، وإعادة العراق إلى بيت الطاعة الفارسي، ودفع المجتمع الدولي إلى الاعتراف بشرعية الحكومة التي أسستها حركة “أنصار الله” (الحوثيين) في صنعاء، واستنقاذ حزب الله من الطوق الذي يُشدّ حول عنقه.
ولأن تحقيق هذه الأهداف يتطلب ما هو أكثر من موافقة واشنطن، فقد سعى “الحرس الثوري”، خلال الهدنة، إلى إطباق فكّي الكماشة على الأراضي السعودية، متستراً بالميليشيات العراقية وحركة “أنصار الله” (الحوثيين)، وحرّك عناصر الأخيرة نحو مضيق باب المندب.
عقم الاستراتيجية.. وفداحة أثمانها
ولا شيء أظهر عقم استراتيجية ثوريي طهران سوى الأثمان الرهيبة التي دفعتها بلادهم، إلى جانب العراق ولبنان واليمن، جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية، التي لم تنتهِ بعد. ثم إن تلك الاستراتيجية تسببت بردود فعل إقليمية توازنية، تستهدف منع إيران من استعادة نفوذها، وتضييق هامش مناورتها على الساحة الخليجية والإقليمية.
فات ثوريي إيران أن إضعاف النفوذ الأميركي في المنطقة (إذا تحقق) لن يصبّ في مصلحتهم وحدهم، إنما في مصلحة قوىً أخرى كمنت لسنوات، استعداداً للحظة مشابهة. لطالما طمحت العديد من القوى الإقليمية والدولية إلى الولوج إلى منطقة الخليج، التي بنت عليها واشنطن هيمنتها العالمية. وما صدّ تلك القوى عن النفاذ إلى الخليج سوى الجدار الذي أقامته الولايات المتحدة من حوله، فحجبته حتى عن أقرب حلفائها الإقليميين والدوليين.
في عهد الشاه رضا بهلوي، أو ما تلا الإطاحة به، لم ينظر أي مسؤول إيراني إلى عرب الخليج كمحاور ندّ، لديه تطلعات وهواجس، ويملك رأياً يمكن مناقشته، وإنما كخصم يجب إخضاعه، واستتباع أراضيه لهيمنة طهران. جراء هذه النظرة تحديداً، لم تصادف الجهود الفارسية في الماضي النجاح، ولن تصادفه في أي مستقبل قريب.
أنس وهيب الكردي-المدن



