🟠 خاص شدة قلم – جويل ماردينيان وهشام حداد: دموع الـ”High Life” على ركام وجعنا

حين تصبح الغيرة من البقاء في “جهنّم الوطن”.. أحدث صرعات الاستعراض.. وحين تتحوّل الحلقات المتلفزة للوجع الافتراضي.. إلى مسرحية استبكاء مدفوعة الأجر أو الشهرة.. تدرك فوراً أنّ “اللي استحوا ماتوا” وشبعوا موتاً.
أطلت المدعوة جويل ماردينيان.. في حضرة الإعلامي هشام حدّاد.. لتوزّع علينا صكوك الحسرة لأنّها “تهجّرت” منذ طفولتها من لبنان.. وتخبرنا بكل ثقة بأنّها تحسد كل مَنْ بقي صامداً في هذا البلد المنكوب.. فتطوّع “أبو الهيش” فوراً ليُذرف بعض الدموع.. مٌعلناً انطلاق حفلة ترندات “أنا بكّيته”..
قد يقول قائل بأنّ “البيوت أسرار”.. وأنّنا كجمهور لا نعرف ما يعيشه كل من جويل وهشام في حياة كل منهما الشخصية.. لذلك قد يكونان مُحقين في وجعهما.. لكّن جوابنا حاضر فوراً: كجمهور لنا الظاهر.. و”القلوب لها رب يرعاها”.. والمظهر الذي نراه عبر الشاشات لا يخفي وراءه أوجاع بيوت أو تعقيدات نفسية.. بل يصرخ بالصرف والبذخ والترف والـ”High Life”.. ممزوجة بالـ”Nouveau Rich”.. التي تتنعّم بها الست جويل.. بينما تحاول إقناعنا بأنّ “غربتها الفارهة” تشبه وجعنا.. وأنّ حرقة قلبها المخمليّة توازي مرارة العيش تحت رحمة بلد منهار.
الألم ليس وجهة نظر.. والتهجير الحقيقي لا يُطبَخ في صالونات التجميل.. ولا يُعرض في كواليس الموضة.. بل المُهجّرون الحقيقيون هم الذين يفترشون الخيام اليوم.. والذين هُدِمَتْ بيوتهم فوق رؤوسهم.. ومرضى السرطان الذين يموتون على أبواب المستشفيات بلا دواء.. والفقراء والجياع الذين يبحثون عن سقف يستر عائلاتهم.. أو لقمة تسد رمق أطفالهم.
هؤلاء هم الذين هُجّروا داخل وطنهم وسُلبوا آدميتهم.. والذين عبّرت عنهم بصدق وبلا تصنّع قصيدة الراحل إيلي شويري “كل شي تغير” بصوت غسان صليبا.. حين قال “اللي ما عنده بيت ما عنده وطن”؛ أما الذين يعيشون في النعيم المُطلق.. فقد باتت الدموع عندهم مجرّد بضاعة رخيصة وشعار رنّان تحت عنوان (نكرّرها) “أنا بكّيته”.. دون أي حياء أمام تضحيات الناس الحقيقية وعذاباتهم اليومية.
إلى ماذا تنظرين بالضبط وأنتِ تحسديننا؟ أتحسديننا على مدارس وجامعات يتكّدس طلابها خارج الصفوف بلا أساتذة؟.. أم على طوابير الذل ومقوّمات حياة معدومة؟.. أنتِ تعيشين مع كهرباء لا تنقطع ومياه متوفّرة.. وتتنقلين بين السهر والرحلات والرفاهية.. بينما نحن هنا نعيش على توقيت القلق.. ننتظر في كل لحظة متى يقرّر “الحزب” زجّنا في مغامرة تدمّر ما تبقّى من البلد.. وتدفعنا إلى طابور الموت بلا سبب وبلا ثمن.
حين تصبح الغيرة من البقاء في “جهنّم الوطن”.. أحدث صرعات الاستعراض.. وحين تتحوّل الحلقات المتلفزة للوجع الافتراضي.. إلى مسرحية استبكاء مدفوعة الأجر أو الشهرة.. تدرك فوراً أنّ “اللي استحوا ماتوا” وشبعوا موتاً.

مصطفى شريف – مدير التحرير



