🟠لبنان أمام مأزق هو الأخطر في تاريخه: السيناريو القاتل بات حتمياً؟

يوماً بعد يوم، يتقدّم لبنان سريعاً نحو الحائط المسدود. والمثير، أنّ الخطر الذي يدفعه نحو الكارثة لا يأتي حصراً من التفلّت الميداني الإسرائيلي جنوباً، بل من انكشاف الانحياز الأميركي، في شكل معلن، إلى جانب إسرائيل. فالإسرائيليون لا يجرؤون على تنفيذ اجتياحات لمناطق لبنانية جديدة، أو لا يريدون أن يفعلوا، ما لم يحصلوا على تغطية أميركية. وعلى الأرجح، تبدو هذه التغطية في صدد التحقق، خصوصاً بعد الموقف الذي أعلنه وزير الخارجية ماركو روبيو خلال لقائه الرئيس نواف سلام في واشنطن: «لا تطلبوا انسحابات إسرائيلية جديدة قبل أن تنفّذوا خطوات جدّية في ملف نزع السلاح».
في جولة المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المقبلة، في تامبا- فلوريدا، سيظهر لبنان محشوراً في زاوية صعبة. فالمفاوضات ستؤدي إلى تظهير الفشل الذي انتهى إليه اجتماع روبيو- سلام، وإلى تثبيت انكشاف لبنان سياسياً، على الطاولة، في حضور المفاوض الإسرائيلي البارع في انتهاز الفرص وتجييرها لمصلحته.
في اجتماع واشنطن، ظن لبنان أنّه «سيتشاطر» في ابتكار صيغ تخرجه من الإرباك، وتدفع واشنطن إلى مساندته في وجه إسرائيل. لقد طرح سلام قاعدة «التبادلية والمرحلية»، وفي اعتقاده أنّ واشنطن ستقتنع بالفكرة وتساعد لبنان على تسويقها، بحيث تضغط على إسرائيل لتبدأ سلسلة انسحابات تنتهي بخروجها الكامل من الأراضي اللبنانية. لكن واشنطن نفسها لم تقتنع بالفكرة، وبدت أقرب إلى المفهوم الإسرائيلي للمناطق التجريبية، أي إنّها طالبت الجانب اللبناني بتنفيذ خطوات فعلية التزاماً ببند نزع السلاح، كشرط إجباري لتطبيق «التبادلية» و«المرحلية» في شكل صحيح.
إذاً، العقدة تكمن في التفسير المتعارض لمفهوم «التبادلية» و«المرحلية». وإذ يصرّ لبنان الرسمي على تسويق هذه القاعدة باعتبارها معادلة جغرافية بسيطة، تقوم على انسحابات إسرائيلية، خطوة تلو خطوة، من مناطق جنوبية يتسلّمها الجيش اللبناني تلقائياً ومجاناً، فإنّ إسرائيل، ومن خلفها واشنطن، ترفض هذا المنطق كلياً.
تعتبر إسرائيل أنّ المناطق التي انتزعها جيشها بالنار، وعمد فيها إلى نزع الترسانة وتطهير الأنفاق، وآخرها مرتفعات علي الطاهر، لم تتحقّق بفضل جهد عسكري لبناني، بل بجهد جيشها. ولذلك، هي لن تُسلّمها إلى الجيش اللبناني على طبق من ذهب. وفي القراءة الأميركية ـ الإسرائيلية، يجب أن تبادر الدولة اللبنانية بنفسها إلى فرض سيادتها ونزع السلاح وتفكيك البنية العسكرية في مناطق لم يدخلها الإسرائيليون بعد، شمال الليطاني والزهراني وفي إقليم التفاح وجبل الريحان، لإثبات الجدّية والقدرة، قبل المطالبة بأي خطوة انسحاب جديدة.
وتستند الولايات المتحدة وإسرائيل في رفض الطرح اللبناني إلى سجل حافل بالتجارب. فتجربة ما بعد القرار 1701 في العام 2006 أثبتت أنّ انتشار الجيش اللبناني وقوات «اليونيفيل» في جنوب الليطاني تحوّل غطاءً سمح لـ«حزب الله» ببناء أضخم شبكة أنفاق وترسانة صاروخية، على مرأى القوى الرسمية اللبنانية والقوات الدولية ومسمعها.
وهذه العقدة التاريخية تُترجم اليوم تشكيكاً أميركياً مطلقاً في قدرة الجيش اللبناني أو رغبته في منع «الحزب» من العودة إلى أي نقطة ينسحب منها الجيش الإسرائيلي. ووفق تقديرات واشنطن، ما زال لـ«الحزب» نفوذ هيكلي وأمني قوي داخل مؤسسات الدولة والأجهزة الرسمية، ما يجعل السلطة السياسية عاجزة كلياً عن اتخاذ قرار بالمواجهة أو بتنفيذ مداهمة واحدة تستهدف مخازن السلاح أو الشبكات المالية والأمنية التابعة له.
وأمام هذه الشكوك، يعجز أركان الحكم والمفاوضون اللبنانيون عن تقديم إجابات مقنعة أو ضمانات عملانية تطلبها إسرائيل والولايات المتحدة، اللتان ترصدان بدقّة متناهية الإصرار المعلن من قيادة «الحزب» على تمسكه بالسلاح وتخوين كل من يطالب بجمعه، وتهديده، في مقابل صمت وإرباك رسميين، تغطيه بيانات إنشائية تكرّر معزوفة «التبادلية»، من دون امتلاك أي أدوات لتطبيقها على الأرض. وهذا السلوك الرسمي دعم الاقتناع لدى الإدارة الأميركية بأنّ السلطة اللبنانية تتنصل من التزاماتها وتكتفي بدور «الشاهد» أو «المترجم».
هذا الواقع يضع لبنان الرسمي أمام قرار إجباري ومصيري، لا مجال فيه للتأجيل أو الهروب إلى الأمام. فإما أن ينجح في دفع «الحزب» إلى التخلّي عن سلاحه وتفكيك بنيته بكاملها، وإما أن يستسلم لـ«الكيّ الإسرائيلي»، أي أن تتكفل إسرائيل بتنفيذ ما تريده بالنار وعلى طريقتها الموجعة المعروفة. لكن سيناريو الاجتياح المقبل لن يتوقف عند حدود «الخط الأصفر»، بل سينطلق على الأرجح من ثلاثة محاور:
*المحور الغربي: التمدّد من المنصوري للسيطرة التامة على الشريط الساحلي.
*المحور الأوسط: الانطلاق من بقعة علي الطاهر والشقيف لاختراق النبطية صعوداً نحو إقليم التفاح وجبل الريحان، وضرب القواعد الخلفية لـ«الحزب».
*المحور الشرقي: التوسع انطلاقاً من مرتفعات جبل الشيخ لإحكام السيطرة على خطوط التماس مع الحدود السورية.
يعني ذلك أنّ الدولة اللبنانية، باقتصار مقاربتها على خشية «الصدام الداخلي»، واعتبار أنّه الخطر الأكبر على البلد، تغفل أنّ البديل من هذا الصدام هو التفريط بالأرض والسيادة، وتهديد الكيان في أساسه. وبين «فوبيا» المواجهة الداخلية وجموح القضم الإسرائيلي، بضوء أخضر أميركي، يقف لبنان أمام مأزق هو الأخطر في تاريخه الحديث.
طوني عيسى- الجمهورية



