🟠“المقاومة” ذريعة الوصاية الإيرانيّة على لبنان: طهران تمسك بالأوراق وتبيعها!

“المقاومة” ذريعة الوصاية الإيرانيّة على لبنان

لم تعد سرديّة “الحزب” عن أسباب فتح جبهة الجنوب مع إسرائيل في تشرين الأوّل 2023 ثمّ في آذار 2026 تقنع معظم جمهوره بعدما تسبّب استخفافه بميزان القوى مقارنة بالوحشيّة الإسرائيليّة، بالنكبة التي يعيشها البلد برمّته. تحمِّل قيادته “السلطة” اللبنانيّة المسؤوليّة عن الكارثة، في كلّ مرّة تسحب طهران مقاتليه من المواقع التي بات الدفاع عنها ميؤوساً منه. هروب “الحزب” إلى الأمام باستدارته نحو الداخل يرافق تمسّك الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان في لقائه مع رئيس الحكومة نوّاف سلام في نيويورك بـ”المقاومة”.

كان مصطلح “الحفاظ على المقاومة” بالنسبة إلى القيادة الإيرانيّة، على مدى العقود الثلاثة الماضية، مرادفاً للتدخّل في قرارات السلطة اللبنانيّة وتركيبتها. به برّرت طهران تفضيلها هذا المرشّح لرئاسة الجمهوريّة على غيره.

بهذا المصطلح سوّغت طهران لنفسها ولـ”الحزب” ومعه للنظام السوريّ البائد، افتعال أشهر من الفراغ الدستوريّ في الرئاسة الأولى، إلى أن تسلِّم الطبقة السياسيّة بمرشّحها. وبعبارة “مصلحة المقاومة”، شرّع “حرس الثورة” الإيرانيّة وبعض السفراء الإيرانيّين في بيروت الإصرار على تعيين رئيس للحكومة بعينه، واستبعاد غيره. باسم هذا المصطلح أيضاً أصرّت طهران على استبعاد سعد الحريري إلى الرئاسة الثالثة عام 2010، بعد إسقاط حكومته باستقالة وزراء الثلث المعطّل… لأسباب تتعلّق بالمحكمة الدوليّة لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

بهذا المصطلح الإيرانيّ أيضاً فرض “الحزب” أشهراً من الفراغ الحكوميّ بعد تعيين رئيس الحكومة المكلّف وتعجيزه عن تأليف حكومته إذا لم يضمن الحصول على الثلث المعطّل مع حلفائه في ميزان القوى الحكوميّ لضمان التحكّم بقراراتها. كانت طهران تمسك بورقة التأليف وتبيعها أحياناً لهذه القوّة الدوليّة أو تلك، حين تتدخّل معها هذه العاصمة أو تلك لإنهاء الفراغ الحكوميّ.

وظيفة الإدارة الإيرانيّة… للسّلطة

بعض رؤساء الحكومات السابقين لديهم ما يروونه في هذا المجال وأبرزهم الرئيس تمّام سلام الذي تلقّى اتّصالاً من الرئيس الأميركيّ باراك أوباما عام 2013 ينبئه فيه بأنّ “غداً ستكون لك حكومة”، بعد 11 شهراً من الفراغ. إذ كان وزير خارجيّته جون كيري طلب من نظيره الإيرانيّ محمّد جواد ظريف تسهيل تشكيل الحكومة، في سياق التفاوض على الملفّ النوويّ…

هكذا كانت طهران تدير توجّهات الرئاسات والحكومات في السياسة الخارجيّة، وتترك للوكيل وحلفائه “هامشاً” لإدارة توجّهات السلطة التنفيذيّة في المسائل الداخليّة، حتّى الاقتصاديّة منها، وفي التعيينات الأمنيّة. هذا “الهامش”، الذي قيل إنّ الأمين العامّ الراحل السيّد حسن نصرالله كان يتمتّع به في علاقته مع طهران، كان وسيلة التحكّم بمفاصل الدولة، وما يزال موروثه حاضراً فيها على الرغم من التغيير في قواعد إعادة تشكيل السلطة في لبنان.

لكنّ الأهمّ أنّ هذا التحكّم كانت له وظيفة أساسيّة، وهي ضمان عدم اعتراض “السلطة”، التي يهاجمها الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم منذ أشهر، على قرارات لها أبعاد تتعلّق بالصراع الإيرانيّ مع دول الإقليم، بما فيها الدول العربيّة، وطبعاً مع الولايات المتّحدة وحليفتها إسرائيل. وبإدارة لبنان عن طريق مصطلح “المقاومة”، استخدمت طهران لبنان ساحةً في التفاوض على النوويّ ومنصّة للرسائل إلى واشنطن، وصولاً إلى حربَيْ إسناد غزّة عام 2023، ثمّ الثأر لخامنئيّ في 2 آذار 2026.

لقاء سلام – بزشكيان… وغضب الجمهور

السبت الماضي كان لافتاً تصريح وزير الخارجيّة اللبنانيّ يوسف رجّي عن لقائه والرئيس سلام مع بزشكيان، إذ قال عمّا دار فيه: “يبدو أنّ الإيرانيّين لم يستوعبوا بعدُ أنّ القرار السياسيّ والأمنيّ قد عاد حصريّاً إلى الحكومة اللبنانيّة”. سلام طالب الرئيس الإيرانيّ بتسمية سفير جديد لبلاده بدلاً من السفير محمّد رضا شيباني الذي رفضت الخارجيّة اللبنانيّة أوراق اعتماده بسبب اتّهامه بالتدخّل في الشأن الداخليّ… رفض بزشكيان ووزير خارجيّته عبّاس عراقجي ذلك. بل جاء الردّ بتقدّم شيباني الصفوف الأماميّة للشخصيّات الحاضرة في مهرجان الذكرى الثانية لاغتيال أمينه العامّ السيّد حسن نصرالله وخليفته السيّد هاشم صفيّ الدين.

احتاج “الحزب” إلى مناسبة الذكرى الثانية لاغتيال الأمينين العامّين السابقين حسن نصرالله وهاشم صفيّ الدين من أجل شدّ عصب جمهوره بعدما جرّ التحاقه بالحرب الأميركيّة الإسرائيليّة على إيران البلدَ إلى النكبة التي يعيشها. ما يزال بعض جمهور “الحزب” مقتنعاً بذلك الالتحاق لأسباب متعدّدة، حسب الشرائح التي تدين له بالولاء. لكنّ بعض هذا الجمهور لم يعد مقتنعاً برمي “الحزب” مسؤوليّة العدوانيّة الإسرائيليّة الوحشيّة على السلطة اللبنانيّة. تتطلّب محاولة استعادة ثقة هذا البعض من الجمهور ترتيباً انتقائيّاً للوقائع، إن لم يكن تشويهاً لها، من أجل رمي المسؤوليّة على “السلطة”.

استنساخ الإنكار الإيرانيّ

في أعماق الجمهور الغاضب من ضخامة الخسائر التي تكبّدها بشريّاً ومادّيّاً، إقناعه أنّ “الحزب” في السنوات الماضية بقدراته الردعيّة، وضخّم قوّته التي استغلّها بنيامين نتنياهو، إلى درجة الترويج لقدرته على احتلال الجليل الأعلى. قال قاسم إنّ المقاتلين الذين ضحّوا بأرواحهم بفعل التربية العقائديّة الدينيّة، صمدوا 3 أشهر في عليّ الطاهر، لكنّه بقي “صامتاً” إزاء سقوطها في يد العدوّ. وبعض من يتولّون الدعاية الحزبيّة ما يزال يصرّ على أنّ في بعض أنفاقها مقاتلين سيتحرّكون في الوقت المناسب، على الرغم من تفجير الجيش الإسرائيليّ لها في 10 أيلول الماضي في مشهديّة شاء نتنياهو أن يوظّفها انتخابيّاً لكسب أصوات التطرّف الإسرائيليّ الأعمى.

يستنسخ “الحزب” سياسة الإنكار التي تتبعها إيران في خسائر مواجهتها مع إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، فيصبح في غربة عن (بعض) جمهوره، لافتعاله التبريرات الغيبيّة لِما تسبّب به جرّاء الحاجة الإيرانيّة إلى الأوراق الإقليميّة كافّة، قويّة كانت أم ضعيفة. ولهذا حديث آخر.

وليد شقير- اساس

مقالات ذات صلة