🟠الخارج يضغط والداخل يتخبّط: السلطة اللبنانية وحيدة وسط عواصف المنطقة!

الخارج يضغط والداخل يتخبّط
هل تعمَّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاهل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام متجنِّباً مصافحته، بينما صافح جميع الذين كانوا يجلسون بقربه؟ أم أنّ ما حصل كان غير مقصود، وبالتالي لا يحمل دلالات سياسية؟ المصافحة وحدها لا تكفي لبناء استنتاج سياسي، إلّا أنّ تزامن ما حصل مع تجاهل ترامب لذكر لبنان في خطابه، يوحي بأنّه أراد إرسال إشارة برودة سياسية تجاه الوفد الرسمي اللبناني، بخلاف تلك الحرارة التي أحاطت يوم زيارة الرئيس جوزاف عون إلى البيت الأبيض. وقد تكون الرسالة بأنّ لبنان لم يعُد على رأس أولويات الرئيس الأميركي. لكن هذا لا يعني بالضرورة أنّ واشنطن تخلّت عن لبنان.
يسمع زوار واشنطن أسئلة جديدة تتعلّق بسبب عدم تأمين منطقة العاصمة أمنياً، فالسلاح في بيروت لا يحمل طابع مواجهة إسرائيل بقدر ما يحمل طابعاً داخلياً
توالت الرسائل الأميركية خلال الأسابيع الماضية حول عدم وجود رضى أميركي حيال الطريقة التي تتحرَّك وفقها السلطة اللبنانية. وبات شائعاً وجود شكوى أميركية، بأنّ المواقف والقرارات الرسمية اللبنانية شيء والواقع على الأرض شيء آخر. أو بمعنى آخر بأنّ الخطاب الرسمي اللبناني حول بسط سلطة الدولة ونشر الجيش وحصر السلاح، يفتقر إلى الترجمة، بالتالي يفتقد إلى التطبيق الجدّي، وفق برنامج واضح وكامل ومحدَّد زمنياً.
وينقل زوار واشنطن عن مصادر في الإدارة الأميركية، بأنّ البيت الأبيض لم يلمس حتى الآن حصول أي خطوة باتجاه تطبيق قرار حصر السلاح على رغم من الإلتزامات المعلنة، وهو ما رسم علامات استفهام عدة حول جدّية الموقف اللبناني. ويضيف هؤلاء، أنّ السلطة اللبنانية تتذرَّع دائماً بالحفاظ على الاستقرار الأمني كأولوية، فيما المطلوب التمسّك بالسيادة كأولوية. فالمحافظة بهذه الطريقة على الاستقرار الأمني هو خاطئ، وسيؤدّي لاحقاً إلى تدهور أمني كبير، بالتالي خسارة الاستقرار والسيادة معاً. أمّا الذهاب لتأمين وفرض سيادة الدولة، حتى ولو أدّى ذلك إلى احتكاكات متفرِّقة، فهو سينتج لاحقاً استقراراً أمنياً حقيقياً ودائماً وسيادة كاملة للدولة على كامل أراضيها. وينقل هؤلاء الزوار عن مصادر أميركية معنية بأنّ السلوك الذي تنتهجه السلطة اللبنانية يؤدّي إلى استهلاك الوقت، وهو ما يلعب لمصلحة «حزب الله» الذي يعمل على دفع الأمور باتجاه تجاوز المرحلة من خلال مفاوضات لن تؤدّي إلى أي نتيجة عملية على أرض الواقع.
ووفق زوار العاصمة الأميركية، فإنّ إسرائيل أبلغت البيت الأبيض بأنّ نتائج المنطقة التجريبية الأولى لم تكن مشجّعة، وأنّ العديد من عناصر وكوادر «حزب الله» تمكّنوا من العودة إلى هذه المنطقة. لكنّ لبنان يرفض ادّعاءات إسرائيل، ويعتبر أنّها غير صحيحة، وتهدف لنسف المسار التفاوضي تمهيداً لترسيخ الاحتلال والعودة إلى الحرب. ولذلك أصدر الجيش اللبناني بيانه المفصَّل في هذا الصدد.
وفي المقابل، يسمع زوار واشنطن تساؤلات حول أسباب عدم تحرُّك الجيش باتجاه مخازن ومواقع «حزب الله» العسكرية في الجنوب. لا بل فهي تطرح أسئلة جديدة تتعلّق بالسبب بعدم تأمين منطقة العاصمة بيروت أمنياً. ووفق ما تنقله، بأنّ السلاح في منطقة بيروت لا يحمل طابع مواجهة إسرائيل بقدر ما يحمل طابعاً داخلياً. وتتابع قائلة، إنّه بات هنالك سياسة نهائية لواشنطن، ترتكز على عدم الاستعداد للقيام بأي مساعدة للسلطة اللبنانية إلّا بعد تحقيق خطوات عملية على أرض الواقع، وإنّ الانسحاب الإسرائيلي مرتبط بشكل كامل ببسط الدولة لسلطتها بشكل جدّي.
وتروي المصادر الأميركية، أنّ الإعتقاد السائد لدى البعض بأنّ واشنطن ستضغط على إسرائيل للانسحاب من لبنان من دون أن يكون قد سبقت ذلك خطوات عملية وحاسمة من جانب الجيش اللبناني، هو وَهم. فالقراءة الأميركية لأمن إسرائيل والمنطقة اختلفت بعد عملية «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر. وبالتالي لم تعُد الحسابات القائمة في غزة هي نفسها، وهو ما ينطبق أيضاً على جنوب لبنان. ما يعني أنّ ثمة حسابات جديدة يجب الأخذ بها في جنوب لبنان، خصوصاً، وعلى كامل الأراضي اللبنانية عموماً.
وفي الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش اللبناني في باريس، بدا واضحاً أنّ هذا الحضور الواسع يؤشر إلى أنّ الاهتمام الدولي بلبنان لا يزال قائماً، لكنّ عدم صدور نتائج فورية يؤشر أيضاً إلى أنّه باتت للمساعدات الدولية شروطها ولم تعُد «مجانية». وبالتالي على السلطة اللبنانية أن تتحرَّك لتلاقيها مساعدات المجتمع الدولي.
وخلال الأيام الماضية، جرى طرح فكرة تقضي بعقد الجلسة التفاوضية الثامنة، أو روما 3، خلال الأسبوع الأول من الشهر المقبل، كي لا يبدو وكأنّ «صيغة الإطار» باتت في وضع الغيبوبة. لكنّنا لا نزال في مرحلة المزايدات الإسرائيلية الداخلية بسبب الانتخابات، ما يعني أنّ نتنياهو لن يُقدم على أي خطوة، في حال وجدت، خشية تأثيرها سلباً على حملته. لا بل إنّ الموقف الإسرائيلي بات أكثر تشدُّداً، وهو ما ظهر في الاجتماع الذي عُقد في وزارة الخارجية الأميركية بين السفيرَين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية. فقد استفاض الجانب الإسرائيلي في تعداده لما اعتبره «خروقات» لبنانية، فتبدو الأمور أكثر صعوبة وتعقيداً. وبالتالي فإنّ الطرح بعقد جولة ثامنة مطلع تشرين الأول، لم يُحسَم بعد، وتعتريه عراقيل جمّة.
وحتى الموقف الفرنسي، الذي كان يراهن عليه لبنان، تبدَّل وأصبح أكثر اقتناعاً بالطرح الأميركي. ففيما كان موقفها يرتكز على الدعوة لمؤتمرَين منفصلَين لدعم لبنان، واحد عسكري وآخر اقتصادي، عادت باريس وبدت مؤيّدة لدمج المؤتمرَين معاً. وبالتالي، لن تكون هنالك أي مساعدات اقتصادية إذا لم يحقق لبنان أي خطوات عملية على الأرض، في إطار بسط سيادة الدولة بقواها الذاتية. أضف إلى ذلك، إحجام السلطات اللبنانية عن القيام بأي خطوات حاسمة في إطار الإصلاحات المطلوبة. وكان لافتاً الكلام الذي أطلقه الديبلوماسي الفرنسي بيار دوكان خلال وجوده في بيروت الأسبوع الماضي. صحيح أنّه بات في وضع التقاعد، لكنّه كان قد شغل منصب المنسق الفرنسي للمساعدات الدولية من أجل لبنان، كما أنّه لعب دوراً أساسياً في متابعة وتطبيق مؤتمر «سيدر» عام 2018 لدعم اقتصاد لبنان، وتولّى متابعة ملف الإصلاحات المطلوبة. دوكان، وخلال لقائه ديبلوماسيّين أوروبيّين ولبنانيّين في جلسة خاصة، قال إنّه متشائم حول إمكانية قبول المنظومة اللبنانية بالإصلاحات، لأنّها لا تناسب مصالحهم. وتابع قائلاً: «هنالك تكاتف كامل بين جميع مكوِّنات هذه المنظومة لمنع حصول هذه الإصلاحات».
لكنّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يسعى لمنع إقصاء فرنسا عن المعادلة الدولية التي تظلِّل لبنان، يعمل لتوظيف جميع أوراقه لدى نظيره الأميركي في هذا الصدد، ومتّكئاً على تفاهم مع السلطات اللبنانية. ومن هنا كان إصراره على انعقاد الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش وعدم إهدار الوقت، وفي الوقت نفسه على تواصل وثيق مع إيطاليا لتأمين مقوِّمات نجاح تشكيل قوّة أوروبية للحلول مكان قوات «اليونيفيل» في جنوب لبنان. وأبلغ الاتحاد الأوروبي جميع المعنيّين برغبة عشر دول أوروبية بالمشاركة في القوّة المتعدّدة. لكنّ الظروف التي تحيط بماكرون تبدو صعبة. فعدا أنّ إسرائيل ترفض بالمطلق أي قوّة في الجنوب، وخصوصاً فرنسية، فإنّ ترامب، الذي لا تجمعه الكيمياء بنظيره الفرنسي، لا يبدو متحمِّساً بدوره لتشكيل هذه القوّة. والمشكلة أنّه لم يعُد أمام رئاسة ماكرون سوى أشهر معدودة وسط حماوة انتخابية داخل فرنسا.
في المقابل، تشتد وطأة الأزمة الحياتية وارتفاع أسعار النفط ومعها أسعار السلع والتضخُّم، على كاهل المواطن اللبناني. وبات الشارع اللبناني مهيَّئاً لتحرُّكات في الشارع. في العادة، فإنّ الشارع هو لعبة القوى الحزبية. ومن هنا تركّزت الأنظار على «حزب الله». فهل حان الوقت ليطلق «هجومه» عبر التحرُّكات المطلبية بوجه الحكومة، بهدف تعديل توازناتها؟ لا تبدو المسألة بهذه السهولة، فالواقع اللبناني يخضع لمقاييس اللعبة الإقليمية، وتالياً لمآل الصراع الأميركي – الإيراني، والذي لم يتضح بعد حتى الآن مساره الفعلي. لكن قد يشجّع «حزب الله» التحرُّكات الشعبية، بهدف خلق واقع ضاغط على السلطة ولو من دون الذهاب في المواجهة إلى النهاية. صحيح أنّ المطالب المرفوعة مطلبية وحياتية وسط واقع اقتصادي مزرٍ وصعب، لكن ثمة نكهة سياسية واضحة. فعلى سبيل المثال، ستتحرَّك بعض وكالات السفر التي كانت تتولّى تنظيم الرحلات الدينية إلى إيران، وستطالب بإعادة تسيير خط الطيران المباشر مع طهران والسماح للشركات الإيرانية بالعودة إلى مطار بيروت. وبغضّ النظر عن عناوين هذا التحرُّك، إلّا أنّ النكهة السياسية واضحة.
ما من شك أنّ السلطة اللبنانية في وضع لا تُحسد عليه. فهي تقف في المربّع الصعب، كي لا نقول الخطر. فعلى المستوى الخارجي تبدو وكأنّها باتت مطوَّقة، وعلى المستوى الداخلي بدت وكأنّها محشورة. هو المربّع الصعب من دون شك، وما زاد من خطورته أنّها غفلت عن إنشاء أحزمة دفاع وحماية جدّية لها، فبدت وحيدة وسط عواصف المنطقة. لقد اقترب فصل الشتاء.
جوني منيّر- الجمهورية



