🟠 خاص شدة قلم – عن صدارة مسلسل إسرائيلي في لبنان: كيف تسلّل «فوضى» إلى عقولنا؟

بين ليلة وضحاها تصدّر مسلسل إسرائيلي عناوين الإعلام اللبناني.. من صحف ومواقع إلكترونية ومنصّات إخبارية.. بل واعتلى “قائمة الأكثر مشاهدة” على منصة “نتفليكس” في لبنان.. إثر انطلاق عرض حلقات موسمه الخامس.. الذي استحضر مشهديات “7 أكتوبر 2023”..
لن أخوض في تحليل مسلسل “فوضى Fauda” الإسرائيلي.. سواء من حيث الحبكة أو الأحداث أو أداء الممثلين والإخراج.. لأنّني شخصياً – وإنْ سمعتُ الكثير عن جودته وتميّزه التقني – لم أشاهد منه إلا ما تيسّر من مقاطع قصيرة على “يوتيوب”.. بدافع امتلاك أرضية لكتابة مقالتي..

منذ انطلاق موسمه الأوّل في 2 كانون الأوّل 2016.. دخل المسلسل عالم “المُستعربين”.. أو بمعنى آخر “الجواسيس الصهاينة”.. الذين يتنكّرون بشخصيات عربية.. ليندسّوا داخل المجتمعات الفلسطينية.. غير أن الدراما الإسرائيلية لم تقف عند حدود الضفّة الغربية وقطاع غزّة.. بل امتدت شِباك أحداثها إلى بلجيكا ولبنان.. ولم تكتفِ بالجنوب اللبناني فحسب.. بل بلغت خطوطها الدرامية بلدة “فنيدق” العكارية..
واعجباه.. لماذا؟!
هنا أعود لأستعرض ما استوقفني في “الهجمة اللبنانية” على متابعة العمل الإسرائيلي.. الذي تبيّن وفق “إحصائيات نتفليكس” أنّ مواسمه جميعها – وهو من إنتاجات نتفلكس الأصلية – مُتابَعَةٌ من اللبنانيين وبدقة متناهية.. فما السر في ذلك؟..

ألم تملّوا الحروب والعمليات العسكرية والتفجير والدمار؟.. ألم تملّوا يوميات الغارات والطيران والمُسيّرات والقصف؟!.. ألم تسأموا مشهديات الخوف والنزوح والدموع والعويل؟!.. أم إنّها أصبحت أمراً عادياً جدّاً.. طالماً لا تزال بعيدة عن واقعكم اليومي.. وطالما أنّها على أبعد تقدير في الجنوب أو تتابعونها يوميا على الشاشة..
View this post on Instagram
قرصنة الوعي
لو شرّحنا تفاصيل هذا المسلسل.. سنرى بوضوح كيف تعمل اسرائيل على “تعرية وعينا”.. كأداة ناعمة من أدوات “الحرب النفسية”.. فتتسلّل إلى عقولنا لتمرير “بروباغندا”.. تدفعنا للتعامل مع “السيناريوهات المتلفزة المسمومة” كأعمال درامية ترفيهية لا أكثر..
ألم تلاحظوا كمية المشاهد التي تُركّز على “مشاعر المُستعربين الإنسانية”.. وخوف الأسر الإسرائيلية.. مقابل تجريد الدوافع الفلسطينية من حقيقتها.. وحصرها في إطار الإرهاب والتطرّف الديني بعيداً عن الحق الأصيل بالأرض؟!.. بينما يظهر المُجرم الإسرائيلي “إنساناً متفوّقاً” حتى في مشاعره.. بل والأدهى أنّ الأحداث تجعل الفلسطينيين والإسرائيليين موجودون في فلسطين دون بداية تاريخية.. ويتصارعون صراعاً عبثيّاً بسبب الكراهية والعنصرية..

يشوّهون السرديات
من هنا يولد الخوف من تشويه الحقائق التاريخية.. عبر تمرير مغالطات كثيرة جداً.. أقلّها “عدم وجود جدار فصل عنصري.. ولا استيطان وهدم منازل.. ولا نقاط تفتيش وخطف وتعذيب.. ما قد يجعل الأجيال القادمة تتبنّى الرواية الإسرائيلية بوصفها “الحقيقة الأكيدة”..
يسرقون الحكاية
وللأسف احتفى حساب “إسرائيل بالعربية” على منصة “إكس” بهذا الاختراق.. ودوّن تحت عنوان “مسلسل (فوضى) يصل إلى صدارة المشاهدة في لبنان”: “في 10 سبتمبر/ أيلول.. احتل المسلسل المرتبة الأولى في لبنان.. والثانية في الأردن والإمارات والبحرين.. والثالثة في قطر وعُمان والكويت.. والرابعة في مصر.. والخامسة في المغرب.. والتاسعة في السعودية”..

فماذا ننتظر وقد غزانا الصهاينة فكرياً بعد احتلال الأرض.. أم سنصل إلى ما قاله الشاعر الفلسطيني الراحل مريد البرغوثي يوماً: “إنّ الصراع على الأرض يصبح صراعاً على الحكاية.. فالعدو لا يسمح للضعيف بأنْ يكون مظلوماً.. العدو يأذن له أنْ يكون مخطئاً فقط.. ناقصاً فقط.. ويستحق الألم لأنّه يجلبه لنفسه لا نتيجة سلوك العدو”.
مصطفى شريف – مدير التحرير



