🟠المثلّث الاستراتيجي النبطية – كفرحونة – مشغرة إلى “الخط الأصفر”؟

على تراكم الأحداث والتحدّيات، تبقى الأنظار مصوَّبة في اتجاه واحد هو مدينة النبطية ومحيطها، حيث السؤال الساخن نفسه: هل تُعيد إسرائيل هناك سيناريو علي الطاهر؟ 

مع طلب لبنان إرجاء جولة المفاوضات الثامنة إلى تشرين الأول المقبل، لئلّا تتزامن مع المؤتمر التحضيري لدعم الجيش في باريس، يمكن الاعتقاد بأنّ هذا الإرجاء أوجد هامشاً زمنياً خطيراً. فلبنان يخشى اليوم أن تسعى إسرائيل إلى استغلال هذا الفراغ الطويل نسبياً، لأسابيع، لتحوِّل الهدف التالي، أي النبطية، إلى واقع ملموس، وتفتح الطريق نحو المثلّث الاستراتيجي: النبطية إقليم التفاح – جبل الريحان كفرحونة – مشغرة.

ويمثل إعلان وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس اعتبار علي الطاهر جزءاً رسمياً من «الخط الأصفر» و»الحزام الأمني» الذي يقدِّره بـ700 كيلومتر مربّع ممتدة من الساحل إلى جبل الشيخ، إفصاحاً صريحاً عن دينامية هذا التوسع. فـ«الخط الأصفر» بات في الواقع حدوداً متحرّكة تتسع كل مرّة، مع كل سيناريو إسقاط مناطق جديدة، وعملية تفجير أو تجريف.

وفي الواقع، «يتاجر» المسؤولون الإسرائيليّون بشرط «نزع سلاح «حزب الله» كاملاً في كل لبنان» للانسحاب من المناطق التي يسيطرون عليها. وهم يدركون جيداً أنّ هذا الشرط تعجيزي، لأنّه يلامس هواجس التفجير الداخلي الذي يتجنّبه لبنان الرسمي. وبالتالي، فإنّ تعليق الانسحاب على هذا الشرط يمنح إسرائيل ذريعة مفتوحة للبقاء في لبنان، ومسوِّغاً جاهزاً للتقدُّم نحو مناطق جديدة تحت عنوان «القضاء على البنى التحتية وترسانة الحزب». وفوق ذلك، يستغل بنيامين نتنياهو هذا الشرط وما يحققه في الميدان الجنوبي لرفد حملته الانتخابية بإبراز «اجتثاث المواقع الإيرانية الاستراتيجية» في لبنان، وتقديم نتائجها للشارع الإسرائيلي كإنجازات أمنية غير قابلة للتراجع. فهل يعني هذا أنّ إسرائيل في صدد التوسع مجدّداً، باحتلال النبطية وفتح الطريق للسيطرة على مناطق أخرى؟

يعتقد بعض الخبراء العسكريّين، أنّ إسرائيل ستسيطر حتماً على النبطية. لكنّ ذلك قد لا يعني بالتأكيد تنفيذ اجتياح بري مباشر ومكلف لمركز المدينة المأهول بالسكان. وربما تسعى إلى إطباق الحصار الناري والسيطرة المباشرة عليها بالرؤية والمراقبة الجوية والمصائد الذكية من التلال الحاكمة، كعلي الطاهر والشقيف. فهذا التكتيك، في رأي هؤلاء الخبراء، يحقق لإسرائيل شل الحركة الحيوية للمدينة، وتحويلها إلى منطقة تماس مجرّدة من مقوّمات العيش، من دون التورُّط في حرب شوارع مكلفة. لكن، في المقابل، ثمة مَن يتوقع سيناريو علي الطاهر بكامل قسوته الميدانية. وفي أي حال، إذا تمكنت إسرائيل من تثبيت نقاطها في علي الطاهر والتحكّم بالنبطية، فإنّ الوجهة التالية ستكون مرتفعات إقليم التفاح وجبل الريحان. فالسيطرة على هذا المثلّث ستتيح للجيش الإسرائيلي قطع خطوط التواصل بين الجنوب والبقاع الغربي، وعزل قطاعات كاملة شمال نهر الليطاني. وستقود إلى تسهيل ربط المنطقتَين الأمنيتَين الإسرائيليتَين في جنوب لبنان وجنوب سوريا.

​يدرك لبنان الرسمي حتمية هذا التمدّد المنتظم لـ«الخط الأصفر»، ولذلك، هو يخوض سباقاً حاسماً لمنع سقوط مناطق جديدة. وجاءت زيارة الرئيس جوزاف عون والقيادات الأمنية للنبطية كخطوة سياسية وأمنية دقيقة، في موازاة الانتشار المكثف للجيش والأجهزة الأمنية لملء الفراغ العسكري، وتأكيد خلو المدينة من المظاهر المسلحة غير الرسمية، وتجريد تل أبيب من الذريعة المطلوبة للتوسع. ويراهن لبنان على استثمار الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش في باريس لانتزاع غطاء دولي وضمانات أميركية تضغط على نتنياهو لكبح اندفاعته العسكرية في الجنوب، وترغب واشنطن في الإبقاء على سقف مضبوط للتصعيد، ما يمنع الانفجار الشامل، من دون أن يقيِّد بالضرورة العمليات الإسرائيلية الموضعية لتدمير بنى «حزب الله» العسكرية. 

وهكذا، ​يتكشف المشهد الجنوبي عن طبيعة الصراع المقبل. فإسرائيل تسعى إلى استغلال كل مهلة تفاوضية لتوسيع مساحة «الخط الأصفر» وجعله واقعاً غير قابل للمسح، فيما لبنان الرسمي يسابق الزمن لـ«إغراء» المجتمع الدولي بانتشار الجيش ومؤسسات الدولة في المناطق المرشحة لسقوط وشيك. وبين أروقة باريس وطاولة روما المرتقبة في تشرين الأول، تبقى النبطية والمرتفعات المشرِفة عليها عالقة بين فكَّين: القضم الإسرائيلي ورهان لبنان على المفاوضات.

طوني عيسى- الجمهورية

مقالات ذات صلة