🟠 خاص – زلزال الديمغرافيا يضرب العالم العربي.. هل تخلينا عن الشباب لصالح الشيخوخة؟!

تذوب ميزة الفتوّة التي لطالما حسمت هوية المجتمعات العربية لصالح واقع ديمغرافي جديد يزحف بهدوء؛ فبينما كان صُنّاع السياسات يخطّطون لاستيعاب طوفان الشباب، بدأت معدلات الخصوبة بالهبوط الحاد، تزامناً مع ارتفاع ملموس في مأمول الحياة عند الولادة، وهي الظاهرة التي توثقها دراسات Research Gate المتخصصة في شيخوخة سكان المنطقة.
هذا الانعطاف الهيكلي لا يعني ببساطة زيادة في طوابير المتقاعدين، بل يُعيد تشكيل الحمض النووي للاقتصاد والمجتمع، فارضاً ضغوطاً غير مسبوقة على شبكات الأمان المتهالكة أساساً. والتحدي الحقيقي هنا يكمن في السرعة؛ إذ تُنذِر بيانات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا) بأنّ وتيرة هذه الشيخوخة ستكون الأسرع على مستوى العالم، مما يمنح الحكومات مهلة زمنية ضيقة جداً للمناورة والتحضير مقارنة بالقرون التي استغرقتها الدول الغربية للتكيف مع هذا التحول.

عندما تنقلب الهرمية السكنية رأساً على عقب، تضيق قاعدة المموّلين وصناديق التقاعد التي تتغذّى من اشتراكات القوى العاملة الشابة، مقابل اتساع هائل في جبهة المستفيدين من كبار السن، وهو المأزق المالي المعقد الذي يستعرضه “تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان” واضعاً الخيارات السياساتية المتاحة لتفادي إفلاس الحماية الاجتماعية. هذا الخلل يتطلب صياغة عقد اجتماعي جديد بين الأجيال داخل سوق العمل، عبر استراتيجيات تتجاوز الحلول التقليدية؛ مثل رفع السن القانوني للتقاعد، وتصميم برامج إعادة تأهيل مهني مستمرة لمن هم فوق الستين، مع دمج تقنيات الأتمتة لتعويض النقص المتوقع في اليد العاملة الشابة ورفع الإنتاجية الفردية.

تُظهر البيانات التجريبية المنشورة في “المجلة العلمية (Nature)” أن بلداناً عربية ذات ثقل سكاني كبير دخلت بالفعل مرحلة الانكماش العمراني تحت تأثير تحسن الرعاية الصحية الشاملة وانخفاض المواليد. هذا الواقع يفرض لزاماً الانتقال السريع نحو مأسسة الرعاية طويلة الأمد وتطوير الطب الوقائي لكبار السن لتخفيف عبء الإنفاق الاستشفائي.

تجارب الأمم المتقدمة تثبت أن تقدم العمر للمجتمع ليس حكماً بالإعدام الاقتصادي، بل هو اختبار حاسم لمدى مرونة الدولة في تدوير خبرات جيل الرواد بالتوازي مع استغلال ما تبقى من طاقات شبابية عبر قنوات استثمارية مبتكرة. العواصم العربية تقف اليوم أمام مفترق طرق مصيري: إما الاستسلام لسيناريو الشيخوخة العاجزة، أو المسارعة لالتقاط التحول وتحويل الصدمة الديمغرافية إلى قاطرة لنمو اقتصادي من نوع آخر.
خاص Checklebanon



