🟠 خاص – عقول معطلة في زمن الداتا: لماذا يقود العالم العربي مستقبله بأدوات الماضي؟

لم يعد نفوذ الدول المعاصرة يتحدّد بترسانتها العسكرية أو بحجم ناتجها المحلي الإجمالي، بل بمدى امتلاكها لـ”السيادة الإدراكية”، وقدرتها على إنتاج المعرفة وتحويل البيانات الصماء إلى استراتيجيات نافذة.

في البيئات السياسية الحديثة، تمثّل “مراكز التفكير” الفضاء النقدي الذي يختبر متانة القرارات، ويطرح الأسئلة المزعجة، ويقدم البدائل الصعبة التي قد لا ترضي هوى السلطة ولكنها تحميها من العمى الاستراتيجي.

غير أنّ المشهد العربي يعيش طفرة عددية مشوّهة في مراكز الدراسات؛ حيث تلتهم هذه المؤسّسات الميزانيات لا لتوقع الأزمات أو ابتكار الحلول، بل للبحث في ركام المعطيات عن مبررات علمية تُساق لتجميل سياسات قائمة بالفعل وإضفاء شرعية زائفة على خيارات اتُخذت مسبقاً خلف الأبواب المغلقة، وهو ما يفسر ضعف إنتاجيتها وفق ما ترصده دراسات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات حول شروط التحول المعرفي في المنطقة.

هذه التبعية الهيكلية تجرّد المنتج البحثي من قيمته الأخلاقية والعلمية، وتكشف عن فائض من الخبراء والمحللين يقابله قحط حاد في “الخيال السياسي” القادر على استشراف المستقبل والتأثير في النظام الدولي. إن مراكز التفكير الحديثة ليست دواوين للمقالات النظرية، بل هي مصانع ديناميكية للسياسات العامة، تفكك الداتا الضخمة وتطوع خوارزميات الذكاء الاصطناعي لمحاكاة السيناريوهات بنزاهة وسرعة فائقة.

لكن هذا العقل التنبؤي يظل معطلاً ومحاصراً في العالم العربي بين فكي التمويل المقيد؛ فوفقاً للأرقام الصادرة في تقرير منصة On Think Tanks  حول واقع قطاع مراكز الأبحاث في الشرق الأوسط، فإنّ 75% من تمويل المراكز في بعض المناطق العربية يعتمد كلياً على الهبات الحكومية المشروطة بالولاء المطلق.

يتكامل هذا الحصار المالي مع بيئة تشريعية وأمنية خانقة تُجرّم حق الباحثين في الوصول غير المشروط للمعلومات، وتتعامل مع البيانات الإحصائية الأساسية كأسرار عسكرية، مما يدفع النخب الأكاديمية إلى ممارسة رقابة ذاتية صارمة خوفاً على أمنهم أو لقمة عيشهم. الخلاصة الكارثية هي أن غياب هذه المراكز عن مشهد التأثير في السياسات ليس عجزاً في العقول أو نقصاً في الإمكانات، بل هو إقصاء متعمد تفرضه بيئة سلطوية تخشى النقد وتفضل إدارة الأزمات بالارتجال اليومي.

متى توفرت شروط الحرية المعرفية والتمويل المستدام والنزيه، وأدركت الأنظمة أن الرأي المستقل هو صمام أمان وليس أداة معارضة، يمكن لهذه العقول والمؤسسات الاستفادة من شبكات التعاون مثل مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية لتطوير أدواتها، والتحول من منابر لتبرير الحاضر البائس إلى شريك حقيقي في صناعة غد أفضل للمنطقة.

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة