🟠 خاص – توابيت المودعين.. “لبنان الذي قتلته منظومة السلطة والمال”

لم يمت 39 ألف مودع لبناني (كما يُتداول) جرّاء سكتة قلبية مفاجئة أو شيخوخة طبيعية، بل قُتلوا عمداً بأيدي عصابة منظمة ترتدي طقوماً رسمية وتجلس خلف مقاعد البرلمان وحسابات المصارف.. قُتلوا وهم ينتظرون الدواء في ممرّات المستشفيات، بينما كان جنى أعمارهم محتجزاً خلف خزائن حديدية تحرسها مافيا السلطة والمال.
هو ليس مجرّد تعثر مالي أو تراجع اقتصادي، بل هي عملية تصفية جسدية واجتماعية ممنهجة لشعب كامل، أدارتها منظومة سياسية تتبادل الأدوار، متغذية على المحاصصة والفساد وتغطية السلاح غير الشرعي، الذي جعل من الدولة مجرد جثة مرتهنة لحسابات إقليمية.
إنّها جريمة سياسية غير مسبوقة، أنْ تركض الحكومات المتعاقبة لزيادة مُخصّصات نوّابها ووزرائها وتأمين رفاهيتهم، في حين يُترك المواطن الذي أمضى عمره يجمع “القرش على القرش” ليواجه الموت فقراً وقهراً وعجزاً عن تأمين ثمن علبة دواء.

وفي استعادة لشعار “كلن يعني كلن”، تتوزّع المسؤولية هنا بالكامل ودون أي استثناء: من السلاح الذي يصادر القرار الوطني، إلى الأحزاب التي تدّعي الإصلاح والتغيير، وتشارك في التغطية والصفقات، وصولاً إلى وزراء كذّبوا على الناس بشرعنة العتمة في ملف الكهرباء واستنزاف المليارات، وصولاً إلى ذلك المواطن الذي يبيع كرامته ومستقبل أولاده بخمسين دولاراً أمام صناديق الاقتراع.
الاقتصاد اللبناني لم ينهَر بفعل قوى قاهرة، بل جرى نهبه وتفكيكه وتحويله إلى سوق نخاسة انتخابية ومزرعة خاصة تعيش فيها السلطة على جثث الموتى وهجرة الشباب. والسكوت عن هذه الجريمة أو محاولة إعادة تدوير الوجوه نفسها تحت أي مسمى هو مشاركة فعلية في الإعدام.

لن يُصلح هذا الخراب زعيمٌ جديد يحل محل زعيم قديم، ولا شعارات طائفية فارغة، بل الإطاحة الكاملة بمنظومة جعلت من حياة الإنسان رخيصة، وبناء دولة قانون وقضاء مستقل يحاكم السارقين ويسترد الأموال المنهوبة حتى آخر سنت، ليُعاد لهذا الوطن شيء من كرامته المهورة.
وإذا لم تقتلع هذه المنظومة من جذورها ويتحقق القصاص العادل من كل من تلطخت يداه بالمال الحرام والعتمة والموت، فإن السقوط القادم لن يبقي على شيء، ولن يرحم أحداً.
خاص Checklebanon



