🟠ما مستقبل المفاوضات المتعثرة: ما مصير الجلسة الثامنة وجدواها؟

على وقع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية ورفض التجاوب مع المطالب اللبنانية، يشتدّ التجاذب الداخلي حول خيار التفاوض المباشر بين مَن يدعو إلى التخلّي عنه ومَن يصرّ على التمسك به، فيما يفرض تعثره تساؤلات حول مستقبله، إذا استمر على الوتيرة الراهنة.

فتحت الحصيلة السلبية للجولة التفاوضية السابعة في روما الباب على طرح علامات استفهام حول مصير الجلسة الثامنة وجدواها، خصوصاً بعدما كانت قد تسرّبت مؤشرات إلى احتمال أن يعمد الجانب اللبناني إلى تعليق مشاركته فيها اعتراضاً على السلبية الإسرائيلية في التعاطي مع مطالبه، ولا سيما منها تلك المتصلة بتثبيت وقف إطلاق النار، والكف عن عمليات التدمير والتجريف الممنهجة وتوسيع المناطق التجريبية.

وقد ولّد السلوك الإسرائيلي الممعن في التسويف والمماطلة حالة من الاستياء لدى لبنان الرسمي، الذي وجد نفسه يراوح في المكان، بل بدا له أحياناً أنّ الأمور تتراجع إلى الوراء نتيجة تصاعد الاعتداءات والتفجيرات، بالترافق مع مجريات المفاوضات، كما حصل خلال الجلسة السابعة التي دارت وقائعها تحت النار، ما أحرج المفاوض اللبناني، وعزز دوافع البحث في إمكان اتخاذ قرار بالامتناع عن حضور الجلسة الثامنة.

الّا انّ الراعي الأميركي تدخّل لاحتواء الأضرار السياسية التي ترتبت على الجلسة الأخيرة، فسارعت وزارة الخارجية الأميركية إلى تأكيد انعقاد جولة جديدة في روما مطلع أيلول المقبل، فيما تنقّل رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان الجنرال جوزف كليرفيلد بين بيروت وتل أبيب، سعياً إلى «تنظيم الخلاف»، وسط تعذّر انتزاع خطوات إيجابية من بنيامين نتنياهو في مرحلة استعداده لخوض الانتخابات في أواخر تشرين الأول المقبل، علماً أنّ دور واشنطن لم يرق بعد إلى حدود الضغط الجدّي عليه، ما يعكس تفهم واشنطن لحسابات نتنياهو ومصالحه.

ولعلّ الكلام الذي أدلى به رئيس الجمهورية جوزاف عون أمام وفد «المؤسسة المارونية للانتشار»، حسم الجدل حول موقف لبنان من الجلسة الثامنة، إذ أكّد انّ المفاوضات تحقّق تقدّماً، وتظلّ في كل الحالات أفضل من نتائج الحرب المدمّرة علينا، لافتاً إلى انّ حجم الاعتداءات الإسرائيلية انحصر بعد توقيع صيغة الإطار. 

ويعتبر المؤيّدون للمفاوضات المباشرة، انّ استمرار انخراط السلطة فيها هو ضروري للأسباب الآتية:

ـ عدم وجود بديل حقيقي عن المسار التفاوضي الحالي، بحيث انّ تعليقه سيؤدي إلى الوقوع في حالة من الفراغ، وسيسمح لإيران بمحاولة ملئه مجدداً، بعدما جرى استبعادها عقب الانفكاك عن مسار إسلام آباد.

ـ لا مصلحة للحكم اللبناني في التسبّب بمشكلة مع الولايات المتحدة الراعية للمفاوضات والمتحمسة لها، خصوصاً انّها الوحيدة التي تملك قدرة التأثير على نتنياهو، وبالتالي فإنّ الانسحاب من المفاوضات سيؤدي إلى الإضرار بالعلاقة مع واشنطن، وتقليص دورها الكابح للجنوح الاسرائيلي.

– تفادي إعطاء الذريعة لتل أبيب لكي توسّع اعتداءاتها وتنفّذ مخططها بأريحية في الجنوب، بعد تحريرها من موجبات التفاوض التي لم تكن متحمسة له اصلاً، وإنّما ذهبت اليه مسايرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ـ التعويل على إمكان إحداث خرق إيجابي لمصلحة لبنان، عبر تراكم الجهد الديبلوماسي في الجلسات المقبلة بمساعدة الأميركيين.

أما الرافضون لمواصلة التفاوض، فهم مقتنعون بأنّ الوقت حان للخروج منها او تعليقها على الاقل ربطاً بالاعتبارات الآتية:

ـ ثبوت عقم المفاوضات المباشرة بعد انقضاء 7 جولات لم تحقق أي مكاسب للبنان، بل هي تحولت غطاء لما يفعله الإسرائيلي على الأرض.

ـ عدم وجود أي نية لدى نتنياهو لتنفيذ انسحابات جدّية او إبداء مرونة سياسية في الفترة الفاصلة عن موعد إجراء انتخابات الكنيست، الأمر الذي يعني انّ جولات التفاوض المقبلة حتى تشرين الأول المقبل، محكوم عليها بالفشل سلفاً، ولن يكون هناك طائل منها.

– استمرار الاعتداءات الإسرائيلية المتنوعة الأشكال، ومواصلة أعمال التدمير والنسف للبلدات المحتلة في ظلّ المفاوضات، على رغم من «صيغة الإطار» وقرار وقف النار، ما يستدعي من السلطة تسجيل موقف جدّي ضدّ هذه الانتهاكات، عبر تعليق التفاوض إلى حين وقفها على الأقل.

ـ الضغط على الوسيط الأميركي المفترض، لدفعه نحو الاستجابة لحقوق لبنان وتعديل نمط تعاطيه المهادن واحياناً المتواطئ مع الطرف الإسرائيلي، وهذا يتطلّب إشعاره بأنّ إنجازه الديبلوماسي المتمثل في إطلاق المفاوضات المباشرة بين بيروت وتل أبيب، وفصل المسار اللبناني عن ذاك الإيراني، بات يترنح ومهدّداً بالسقوط.

عماد مرمل- الجمهورية

مقالات ذات صلة