🟠خلط أوراق: الإقليم يتغير…نووي للسعودية وحلف تركي ولبنان وسوريا قلب التجاذب!

هي أجزاء متناثرة من الصورة التي تتشكل على أساسها المنطقة. بعضها مبعثر، وبعضها الآخر يتجمع ليظهر ما ستفرزه الحروب المتناسلة والمتنقلة، الصراعات القائمة، التنافس المستمر، ونقاط الالتقاء والتقاطع. لذا لا بد من تجميع بعض الصور في محاولة لفهم المشهد. العنوان الأساسي هو استمرار الحرب على إيران، التي يبدو أنها تتصاعد، وسط مساعٍ أميركية لتوسيع التحالف مع قوىً عربية وإقليمية ودولية لمواجهة إيران وإنهاء مشروعها وضرب حلفائها. العنوان الآخر هو إسرائيل ووضعيتها وعلاقتها بدول المنطقة، والإصرار الأميركي المستمر على مواصلة مسار الاتفاقات الإبراهيمية أو السلام أو التطبيع. عنوان ثالث برز وسيتطور أكثر، هو ما أعلن عن موافقة الولايات المتحدة على اتفاق مع المملكة العربية السعودية حول مشروع نووي سلمي والسماح للرياض بالتخصيب على أراضيها.
النووي السعودي
كان هذا المشروع بين أميركا والسعودية، يرتبط بالدفع الأميركي للوصول إلى اتفاق بين السعودية وإسرائيل. إلى جانبه كان هناك الشرط السعودي الأساسي المرتبط بإطلاق مسار الدولة الفلسطينية، وهو ما لا يعترف به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الإطلاق. بالتأكيد أن المشروع النووي السلمي يرتبط بالرؤية الأميركية للمنطقة، بما فيها تعزيز العلاقة مع دول الخليج، على الرغم من أن هذه الدول هي الأكثر تضرراً من الحرب على إيران وإغلاق هرمز والضربات التي تتعرض لها. هنا يتضح مسار عمل واشنطن، التي تواصل ضرباتها ضد طهران وسط حفاظ النظام على صموده، وقد يكون ذلك عنصر دفع أميركي لإنتاج المزيد من التقارب بين دول عربية وإسرائيل، على قاعدة قديمة جديدة، وهي التقارب بهدف مواجهة إيران ومشروعها ومخاطرها.
ثلاثي المشرق
جاء ذلك على وقع ارتفاع منسوب التوتر الإيراني السعودي من بوابة مضيق باب المندب واليمن، خصوصاً بعد تهديد الحوثيين للسعودية بمنع ملاحتها في البحر الأحمر وباب والمندب. هذا لا ينفصل عن التصعيد الأميركي ضد إيران، وأي محاولة لتوسيع التحالف ضدها وضد حلفائها، خصوصاً بعد الضربات التي تتعرض لها دول الخليج برمتها، علماً أن هذه الدول الخليجية تحذر إيران من مواصلة الاعتداءات وتدرس كل خيارات الرد عليها. وما لا يغيب عن الصورة أيضاً وضع المشرق العربي، خصوصاً العراق وسوريا ولبنان، فهذه الدول الثلاث تشهد تحولات كبرى، على طريق المساعي العربية والأميركية لتقويض نفوذ إيران فيها، وهو ما يعني أنه في حال اتسع أفق الحرب، فإن حلفاء إيران جميعهم هددوا بالانخراط بها، ولا سيما بعض فصائل الحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن، كما أن حزب الله في لبنان لا تزال يده على الزناد.
سوريا والحزب
في المقابل، لا يمكن إغفال التهديدات الأميركية العلنية بإمكانية حصول تحرك من قبل سوريا ضد حزب الله في لبنان، إلى جانب مواصلة المساعي الأميركية لإنهاء وضعية الحشد الشعبي في العراق وحصر السلاح بيد الدولة من خلال التعاون مع الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي. المسار نفسه مطروح على الدولة اللبنانية التي تطالبها واشنطن بضرورة حصر السلاح. كما أن واشنطن عملت على إطلاق مسار التقارب بين سوريا والعراق على المستويات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية، وهو ما تريد له أن يطبق في لبنان أيضاً. أما في حال لم تنجح الدولة اللبنانية بمسار حصر السلاح فإن واشنطن ستواصل التلويح بإمكانية حصول تدخل سوري. أما الصورة الأوسع في هذا المشهد، فتتعلق بالحرب الإقليمية، وإمكانية تحويلها من قبل الأميركيين إلى حرب شاملة؛ أي أن تصعد وتكثف واشنطن عملياتها العسكرية ضد إيران، وتنخرط إسرائيل إلى جانبها أيضاً، إضافة إلى تجدد الحرب على حزب الله في لبنان، وتمدد الحرب باتجاه اليمن ودخول السعودية مجدداً في مواجهة الحوثيين، ذلك قد يخلط الأوراق إلى حدود بعيدة بما يتعلق بسوريا وحزب الله ووضع البقاع، كما يطرح الكثير من التساؤلات حول ما سيجري في العراق.
بين مسارين
عملياً، هناك مساران: مسار الضربات المستمرة كحرب استنزاف ضد إيران لدفعها إلى الاتفاق الذي تريده واشنطن، واستمرار التفاوض، على أن يكون تفاوضاً بالنار، في موازاة مسار الرهان على الدولة اللبنانية والدولية العراقية لتحقيق حصر السلاح وإنهاء الوضعية العسكرية لحلفاء إيران. أما المسار الآخر فهو سقوط الرهان على المفاوضات واتساع الحرب مع تشكيل تحالف واسع ضد إيران وكل حلفائها. وهذا سيطرح تساؤلات كثيرة حول دور دول الخليج، سوريا، وتركيا في هذه الحرب.
الحراك السوري
بالتأكيد أن تركيا وسوريا كما دول الخليج لا تفضلان الانخراط بهذه الحرب لما سيكون لذلك من انعكاسات سلبية على الاستقرار والاقتصاد. ولكن في المقابل، حتماً تجتمع هذه الدول على ضرورة إنهاء حالة الحرب وعدم احتفاظ إيران بأي قدرة تهدد من خلالها دول المنطقة. ولكن في حال اتساع الحرب، ستكون هذه الدول أمام استحقاقات أساسية، لا سيما أن إيران ضربت قاعدة التنف قبل فترة وهو الاستهداف الأول لسوريا منذ اندلاع الحرب على طهران. قد يكون ذلك مؤشراً لاحتمال انخراط سوريا، علماً أنه منذ الأيام الأولى للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران دعت سوريا إلى ضرورة تشكيل غرفة عمليات عسكرية عربية مشتركة تحسباً لانزلاق الأوضاع واتساعها وللبحث في خيارات الدفاع. جزء من هذا النقاش تجدد حالياً، وتجلى في زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى الكويت، خصوصاً في ظل التخوف من احتمال حصول هجوم بري تنفذه فصائل عراقية موالية لإيران ضد الكويت. وفي السياق ذاته، جاءت زيارة وزير الداخلية البحريني إلى سوريا.
التوازن السوري
لا ينفصل ذلك عن التغييرات الأمنية والعسكرية التي شهدتها سوريا في الفترة الأخيرة، لا سيما تعيين وزير الداخلية أنس خطاب رئيساً لمكتب الأمن الوطني، وعبد القادر الطحان رئيساً للاستخبارات. تشير هذه التعيينات إلى “مركزة” أجهزة الأمن السورية، أما القراءة السياسية فترتبط بالسياق الدولي والإقليمي لهذه التعيينات، ولجهة التنسيق مع القوى العربية والدولية، مع الإشارة إلى أن خطاب والطحان يتمتعان بعلاقات قوية مع دول الخليج ولا سيما السعودية. وذلك يأتي في إطار خلق التوازن بين العلاقة مع السعودية من جهة، والعلاقة مع تركيا التي تعزز من وجودها العسكري وشراكتها مع دمشق.
الإقليم يتغير
في موازاة ذلك، لا يمكن إغفال التقارب المتجدد بين السعودية والإمارات، واللقاء الذي عقد بين وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، ونائب رئيس دولة الإمارات منصور بن زايد، هذا التقارب له أكثر من بعد: أولاً الوضع في الخليج والحرب على إيران، العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية، التوتر المستجد في اليمن. كما أن ذلك لا ينفصل عن المسار الذي تريد أميركا إطلاقه في المنطقة، لجهة إعادة تركيب المنطقة والتحالفات فيها، وحتماً لا ينفصل عن المشروع النووي السلمي الذي قد يكون الهدف منه الدفع نحو التقارب مع إسرائيل. خصوصاً أن هناك قناعات في المنطقة بأن خريطة العلاقات بين الدول والتحالفات ستتغير أيضاً، بعد الحرب على إيران.
ماذا عن لبنان؟
لبنان في قلب كل هذه التجاذبات. لا يمكن فصله عنها. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن السعودية تدعم المسار الذي تسلكه الدولة اللبنانية بالكامل. منذ ما قبل اتفاق الإطار إلى ما بعده، وصولاً إلى الاتصال الذي حصل بين رئيس الجمهورية جوزاف عون وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، خلال وجود عون في أميركا، كما أن بن سلمان وجه دعوة إلى عون لزيارة الرياض، علماً أن الأخير سيزور تركيا في نهاية الشهر الجاري.
صراع الخطوط
عملياً، كانت المنطقة أمام مسارين أو مشروعين، مشروع إقليمي يمكن أن تكون فيه تركيا، السعودية، مصر، باكستان، ذلكَ لملء فراغ المشروع الإيراني، مقابل مشروع إسرائيلي هدفه التوسع وإضعاف كل دول المنطقة وتفتيتها. وبحال لم ينجح فيريد لهذه الدول أن تدخل في كنف مشروع إسرائيل العظمى. لكن ما تريده أميركا هو مشروع واحد يدمج المنطقة بإسرائيل. أما في ظل البحث عن مسارات بديلة لمضيق هرمز ومضيق باب المندب، فكان الأميركيون مع الإسرائيليين قد طرحوا سابقاً مشروع طريق الهند، الذي ينطلق من الهند ويمر بالخليج وصولاً إلى إسرائيل ومن هناك إلى أوروبا. في المقابل، لدى تركيا طموح بأن تكون هي صاحبة الطريق بناء على التقاطع مع دول الخليج في سوريا والبحر المتوسط والوصول إلى أوروبا.
لبنان وسوريا
في هذا السياق، جاء إحياء مشروع طريق الحجاز بين تركيا والسعودية، إلى جانب مشاريع مشتركة بين سوريا والعراق وتركيا، بينما إسرائيل تواصل العمل على مشروعها بالتحالف مع قبرص، اليونان، إيطاليا، والهند وتسعى إلى انضمام دول جديدة إليه. سيكون للحرب على إيران ونتائجها وآثارها الانعكاس الأساسي لما سيتشكل في المنطقة من تحالفات أو علاقات أو خطوط نفط وغاز وتجارة وإمداد، هنا سيكون لبنان وسوريا في قلب التجاذب بين كل هذه المشاريع، بين من يريد الدفع باتجاه إسرائيل، ومن يسعى إلى بناء مشروع بديل يرتكز على التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية، ولكن من دون الذهاب إلى الكنف الإسرائيلي.
منير الربيع- المدن



