🟠هل ارتكب رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي “غلطة العمر”؟

يجب الاعتراف أولاً أن الحملة ضد الفساد التي أطلقها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، التي يحلو للبعض تسميتها بـِ “صولة الفجر”، كانت غير مسبوقة.

فلأول مرة في عراق ما بعد العام 2003، يشهد العراقيون هكذا عملية واسعة ضد الفساد تشترك بها وبشكل مباشر السلطتين التنفيذية والقضائية، وإلى حد ما السلطة التشريعية.

منذ اليوم الأول لتوليه السلطة، أعلن رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أن أهم ملفين سيتصدى لهما هما، حصر السلاح بيد الدولة، والفساد. ونُقل عن الرجل في إحدى مقابلاته قوله إنه لن يتراجع عن المضي في هذين الملفين حتى النهاية، حتى لو كلفه الأمر حياته.

وإذا كانت إجراءات الملف الأول التي اُعلن عنها قد مضت (على الأقل حتى الآن) بدون مشاكل حقيقية رغم أنه لا يزال في بدايته، إلا أن الملف الثاني قد لا يكون كذلك.

لا توجد أرقام رسمية لحجم الفساد في العراق، لكن أرقاماً لمنظمات غير حكومية تشير إلى أن حجم الفساد يمكن أن يتجاوز عشرات المليارات من الدولارات.

تداولت مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لقيام القوات الأمنية التي نفذت عمليات اعتقال بحق مشتبهين بالفساد، كشفت عن مصادرة كميات كبيرة جداً من الأموال، كان أغلبها في منازل من تم اعتقالهم.

الحملة ونتائجها

حتى ساعة كتابة هذه المقالة فإن عدد الذين أُعلن عن اعتقالهم بلغ 47 شخصية، من بينهم أكثر من عشرة نواب. ومع تأكيد رئيس الوزراء أن العملية لن تتوقف عند ما حدث فجر الأحد الماضي، فإن هذا الرقم مرشح للزيادة، خصوصاً أن بعض ممن وردت أسماءهم في مذكرات الاعتقال تمكن من الهرب.

وعلى الرغم من أن ما أُعلن حتى الآن يُظهر أن الحملة طالت أسماء مهمة، لكنها لم تطَل ما يمكن وصفهم بـِ “الحيتان”، تلك الأسماء التي تغولت كثيراً وأصبحت تمسك بكل شيء تقريباً.

هذه الحقيقة تدعو إلى التساؤل بشأن المدى الذي يُمكن أن تصله هذه الحملة مستقبلاً، والأسماء التي يمكن أن تطالها، بعيداً عن الضغوط السياسة التي بدأت تعمل بعد ساعات من انتهاء الحملة بصفحتها الأولى، لا بهدف إيقافها، لكن التحكم بمساراتها.

ماذا بعد الحملة؟

في تصريحات ملفتة أطلقها رئيس الوزراء قبل انقضاء أربعة وعشرين ساعة على حملة الاعتقالات، قال إن أحد أهداف الحملة هو إستعادة الأموال المسروقة وإعادتها لخزينة الدولة، ملمحاً إلى احتمال اللجوء إلى إجراء “تسوية” مع الذين جرى اعتقالهم.

لم يفصح رئيس الوزراء عن تفاصيل التسوية التي تحدث عنها، لكن هناك من يؤكد بأن هذا قد يفضي إلى إطلاق سراح من يقبل باعادة ما سرقه من أموال التي قد يكون جزءاً كبيراً منها قد تم تهريبه خارج البلاد.

هذا التصريح دفع البعض إلى الكشف عن وجود نوايا لتطبيق هذه الآلية على أولئك المتهمين الذين لم يتم أعتقالهم حتى الآن. والحديث مفاده أن من يقبل بـِ “التسوية” سيكون بمنأىً عن الاعتقال.

وحتى تنكشف الحقيقة فلن يكون هناك خيار سوى الانتظار لمعرفة ما يحدث مستقبلاً. إن استمرار الحملة وتصاعدها لتطال الرؤوس الكبيرة سيكون القول الفصل لنفي أو تأكيد ما يتم تداوله من كلام.

ورحب تحالف الإطار التنسيقي (الشيعي) بما جرى، ودعا بعد اجتماع حضره رئيس الوزراء إلى “ضرورة استدامة هذه الجهود لتطهير مؤسسات الدولة من الفاسدين والمقصرين ووقف هدر المال العام”. في بالمقابل، أعلن المجلس السياسي (السُني) بعد اجتماع قواه السياسية أن “مكافحة الفساد لا تحتمل الانتقائية أو التسييس، وأن نجاحها يقتضي تطبيق القانون بعدالة وحياد على جميع المتورطين”، وهي إشارات لا تقبل التفسير أو التأويل بأن القوى السياسية السُنية تعتقد أن أبعاداً سياسية تقف خلف ما جرى، خصوصاً مع تصاعد الحديث سُنياً بأن هدف الحملة هو استهداف لرموز وأسماء من المكون السُني، رغم وجود العديد من الأسماء الشيعية التي طالتهم الحملة، وهو كلام نفاه المستشار القانوني لرئيس الوزراء.

استشراء الفساد بعد العام 2003

لم يعد جديداً القول إن الفساد في العراق أصبح جزءاً من بنية النظام السياسي في عراق ما بعد العام 2003، وأن سياسة المحاصصة التي كانت إحدى نتاجات هذا النظام السياسي، كانت ولا تزال سبباً رئيسياً، وما انتهى إليه الحال وهذا الفساد الذي استشرى في كل مفاصل الدولة. لقد شهد العراق في السنوات الماضية فضائح لسرقات عديدة تكفي واحدة منها للإطاحة بأي حكومة في أي دولة بالعالم، لكنها جميعاً مرت دون إجراءات رادعة حقيقية.

وعلى الرغم من قناعة أغلب العراقيين بأن استهداف حيتان الفساد في العراق ليس أمراً وارداً، فضلاً عن أنه لن يكون سهلاً أبداً، فإن هناك من يجزم بأن إصرار الزيدي على المضي بهذا المسار حتى نهايته، قد يكون بمثابة “غلطة العمر” التي قد تكلفه كثيراً.

في تصريح سابق للقيادي في حزب الدعوة العراقي علي الأديب تمت إعادة تداوله كثيراً في الساعات الماضية، قال إن هناك خشية من أن محاربة الفساد يعني إلقاء القبض على “قمم سياسية وأن هناك مخاوف من يتسبب هذا الأمر في إيصال العملية السياسية إلى نهايتها”.

إن ما لا يمكن نكرانه هو النفوذ الكبير الذي يتمتع به كثير من رموز الفساد في العراق من سياسيين وغير سياسيين. كثير من هؤلاء هم الآن من الفواعل السياسية الرئيسية.

الحملة ورسائلها

وليس بعيداً عما حدث، فإن ما لا يمكن تجاهله هو توقيت تنفيذ الحملة. فهي تأتي قبل أيام من زيارة متوقعة لرئيس الوزراء إلى واشنطن للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهي أول زيارة خارجية للزيدي منذ توليه السلطة قبل أكثر من شهر.

المتوقع، أن يحمل الزيدي معه الكثير من الملفات التي ينتظر من خلالها الحصول على الدعم الأميركي للمساعدة في تنفيذها. يعي الرجل حقيقة أن أفضل شيء يمكن أن يحمله معه هو ما قام به من إجراءات في ملفي حصر السلاح ومحاربة الفساد. وهي إجراءات يتوقع أن يكون لها صدىً مهماً عند الإدارة الأميركية التي كانت قد دعت في وقت سابق إلى ضرورة تحقيق تقدم ملموس في هذين الملفين. ومن شأن هذا الأمر، أن يفتح الباب واسعاً أمام ما ينتظره الزيدي من دعم له ولحكومته خلال المرحلة المقبلة. وهو تطور سيكون له نتائج إيجابية ستنعكس بشكل مباشر على علاقات العراق مع دول الجوار وبالذات محيطه العربي، التي ابتدأها الزيدي بايفاد وزير خارجيته إلى سوريا ولقائه الرئيس أحمد الشرع والاتفاق على توسيع العلاقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين مستقبلاً.

وليد ابراهيم- المدن

مقالات ذات صلة