🟠حكاية «الطوباوي المقدس» يزيد: من انتخاب عون إلى صناديق الكرز والدرّاق إلى موائد السلاطين!

حكاية يزيد من انتخاب عون إلى صناديق الكرز والدرّاق:

السعودية مصرّة على تدمير لبنان

حال الدونية المستحكمة لدى قسم غير قليل من الطبقة السياسية اللبنانية تجعلها لا تميّز بين وصيّ وآخر. قبل عام 2005، كان كثيرون ممن لا يزال قسم كبير منهم حاضراً في قلب الحياة السياسية، يحجّون يومياً إلى عنجر أو دمشق طلباً للرضى السوري. وهؤلاء، وإن غادر بعضهم المركب، فإن غالبيتهم لم تعرف السياسة يوماً إلا من زاوية العلاقة مع الوصي الخارجي.

اليوم، لم يعد الحجّ إلى عنجر أو دمشق، ولا حتى إلى عوكر (مقرّ السفارة الأميركية) أو اليرزة (مقرّ إقامة السفير السعودي)، بل بات هؤلاء ينتظرون وصول «الطوباوي المقدّس» يزيد بن فرحان، «الملاك» الذي أرسله الله هدية غير متوقعة لإنقاذ لبنان من نفسه.

بعد خطف سعد الحريري واحتجازه ثم نفيه من لبنان، والشروع في خطة «استئصال الحريرية» من مؤسسات الدولة والحياة السياسية، توسّط أحد الرؤساء العرب لدى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لمعالجة المشكلة. إلا أن الأخير رفض أكثر من وساطة، وعندما اضطر للحديث عن الأمر، قال: «أنفقنا في لبنان عشرات مليارات الدولارات، وقدّمنا دعماً مباشراً لمعظم الطبقة السياسية اللبنانية، وكان النصيب الأكبر من حصة الحريري الأب ثم الحريري الابن. وعندما احتجنا منهم إلى خطوة عملية في لحظة المواجهة مع حزب الله، رفضوا القيام بذلك. لذا، لم يعد لبنان بالنسبة إلينا كما كان في السابق، وسنعمل على حماية مصالحنا بما يتوافر لنا من أدوات وبالتعاون مع الأميركيين».
منذ ذلك الحين، اعتمدت السعودية مقاربة مختلفة تجاه لبنان. فأعلنت عملياً امتلاكها حق الفيتو في أي أمر، وأنها قادرة على محاصرة اللبنانيين العاملين في دول الخليج، وأن علاقاتها مع واشنطن تتيح لها تحقيق تأثير كبير في لبنان.

وفي الوقت نفسه، اعتمدت استراتيجية جديدة في الإنفاق السياسي، قائمة على «تسعير» السياسيين والدفع بـ«القطّارة». فتراجعت موازنات التمويل السياسي بشكل كبير، الأمر الذي انعكس مباشرة على أداء عدد كبير من السياسيين والإعلاميين والمؤثرين الذين اعتادوا الاستفادة من هذا الدعم، رغم أن كثيرين منهم استمروا في القبول بما يشبه الفتات. كما عدّلت الرياض طريقة تعاملها مع رجال الأعمال اللبنانيين، فتلاشت «الحظوة» التي كانت تميّزهم عن غيرهم من العرب والأجانب، وأصبح على اللبنانيين أن يثبتوا أنهم يشكلون قيمة مضافة ومصلحة حقيقية للسعودية، لا مجرد عبء.

لم تكن مشكلة بن سلمان في قوة خصومه بقدر ما كانت في ضعف حلفائه وعجزهم عن إنجاز المهمة التي يتطلع إليها. لكن الرجل استفاق ذات يوم على «هبة غير متوقعة»، إذ حدث ما لم يكن في الحسبان خلال أسبوع واحد، وكأنه ربح جائزتي «اللوتو» و«اليانصيب» معاً: تلقّى حزب الله ضربة قاسية خلال حرب عام 2024، وسقط نظام الأسد في دمشق.

كان ذلك أكبر من قدرة بن سلمان على هضمه، فبادر إلى تعديل طريقة عمله في لبنان، بالتوازي مع إطلاق برنامج عمل مختلف في سوريا. وانعكس ذلك تثبيتاً لقاعدة كان يسعى إلى فرضها منذ ما قبل انتهاء الحرب في تشرين الثاني 2024، إذ أبلغ جميع المعنيين في لبنان (ومن ينكر ذلك كاذب أياً يكن موقعه) أنه يريد جوزيف عون رئيساً للجمهورية ونواف سلام رئيساً للحكومة.

وبرغم كل ما جرى من مناورات وتفاهمات، بدا أن وليد جنبلاط كان من أكثر السياسيين نباهة في فهم المعادلة الجديدة، فسار بها فوراً، رغم أن له تقييمه الخاص لكل الأداء السعودي في لبنان.

عملياً، وضع بن سلمان إدارة مختلفة للملف اللبناني. فاستدعى الضابط في الاستخبارات السعودية يزيد بن فرحان إلى الديوان الملكي، وأوكل إليه الملف ضمن آلية تنسيق بين الديوان ووزارة الخارجية وجهاز المخابرات. وكانت أولى مهامه المشاركة في «اختبار مؤهلات» جوزيف عون، في اجتماع استضافه وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان في مدينة العلا. يومها تعرّف عون إلى يزيد، وخرج بانطباع مفاده أن الرجل يمتلك ملفات تفصيلية دقيقة عنه وعن أدائه في قيادة الجيش.

الذين يعرفون بن فرحان يقولون عنه تماماً ما كانوا يقولونه عن غازي كنعان ورستم غزالة. وبعض من عرفه قبل أكثر من عقد، خلال مدة عمله في مصر، يقدّمون صورة مختلفة تماماً عن تلك التي هو عليها بعد توليه الملف اللبناني.

أما السياسيون الذين باتوا يتفقّدون هواتفهم كل صباح لمعرفة ما إذا كان قد تكرّم عليهم برسالة منه، فلا يختلف كلامهم في مجالسهم الخاصة كثيراً عما يقولونه في العلن. فقد تحول الرجل فجأة إلى أحد «أذكى الموفدين العرب»، وصار يُوصف بأنه «متواضع وقريب إلى القلب»، و«ملمّ بتفاصيل لبنان ويريد الخير له». لكن هؤلاء أنفسهم يجمعون أيضاً على أنه «حازم ومتسلّط عندما يقرر أمراً ما».
أما بالنسبة إليه، فليس من السهل رسم صورة مكتملة عن موقفه من الطبقة السياسية اللبنانية. لكن المؤكد أنه، بعد سنة ونصف السنة من العمل على الملف اللبناني، بات يمقت عدداً كبيراً من السياسيين، وصار أكثر قدرة على التمييز بين الغث والسمين.

وبعدما بدا واضحاً أن سياسة السعودية في لبنان لم تثمر أي نتائج مفيدة للبنان، اكتشف بن فرحان خلال سنة واحدة أن خطته لم تنجح في بلوغ أهدافها الكبرى. فلا بيت الحريري أُقفل، ولم يتمكن من صناعة زعامة سنية بديلة قادرة على ملء الفراغ. وفي المقابل، لم يظهر أن عون قادر على وراثة التيار الوطني الحر. ومع مرور الوقت، بدأ يبدي ندماً على خيار سلام. ورغم أنه لا يخفي الكثير من الملاحظات تجاه الدائرة المحيطة برئيس الجمهورية، لا يزال عون، بالنسبة إليه، الرجل الأول الذي يمكن الاتكال عليه!

صحيح أن بن فرحان، بصفته المسؤول السعودي عن ملف لبنان، أدخل تعديلات على أسلوب عمله، كالتخلص من السفير «الاستعراضي» وليد البخاري بعدما جعله عملياً عاطلاً عن العمل لأكثر من عام، قبل أن يستقدم السفير الجديد فهد الدوسري ويقدّمه بأنه «هذا أنا». لكنه وجد نفسه مضطراً إلى إعادة بناء شبكة علاقاته. فاتجه إلى إقامة علاقة مختلفة مع الرئيس نبيه بري، وبات يتحدث عنه بطريقة توحي لمن يسمعه بأن بري أصبح رجل السعودية الأول في لبنان. كما اكتشف أن جبران باسيل «سياسي ذكي وواضح ومحترم جداً»، وباشر العمل على تعزيز العلاقة معه.

ومع انتشار أخبار هذه التغييرات، سارع بعض السذج إلى الحديث عن أن السعودية عدلت في استراتيجيتها، لكن الحقيقة بقيت في مكان آخر.

فالسعودية والولايات المتحدة كانتا قد وضعتا أمام عون وسلام سلّة من الشروط والاستحقاقات المطلوب تنفيذها خلال مئة يوم من تشكيل الحكومة. وجرى تمديد المهلة مئة يوم إضافية بعدما تعثرت الخطوات الأولى، ولا سيما بعد فشل مشروع إبعاد حزب الله عن الحكومة. بعدها، قرر ثنائي الوصاية (واشنطن والرياض) أن على السلطة التقدم بخطوات أسرع، ما اضطر عون إلى نزع كل الأقنعة السياسية، فيما وجد سلام أن الفرصة أصبحت مؤاتية لإظهار كل ما يحمله من حقد تجاه المقاومة.

ودخل الرجلان، بالتعاون مع قوى داخلية عدة، في معركة نزع الشرعية عن المقاومة، وهو ما تُرجم بداية في قرارات 5 آب، بالتوازي مع تشديد الضغوط على حزب الله من بوابة التواصل مع إيران والعراق، بحجة منع وصول الأموال إليه. وفي الوقت نفسه، ارتفع منسوب الضغط على الجيش اللبناني، بمساندة من كل شياطين الأرض، لدفعه نحو مواجهة مباشرة مع المقاومة. واستمرت الأمور على هذا النحو عبر خطوات متلاحقة داخل مؤسسات الدولة المالية والأمنية والعسكرية والإدارية، بالتزامن مع تصاعد حملات التحريض الإعلامي وإطلاق برنامج ممنهج لـ«شيطنة» المقاومة تمهيداً لمرحلة العزل، الذي بات عنوان البرنامج الفعلي الذي يقوده بن فرحان.

مع اقتراب موعد الحسم في ملف الانتخابات النيابية، أيقن بن فرحان أن ثلاثة أهداف أساسية له غير قابلة للتحقق. فكل الدراسات والتقديرات تشير إلى أن حزب الله سيعزز حضوره داخل المجلس النيابي، وأن نوابه سيحققون أرقاماً انتخابية ستشكل فضيحة لكل خصومه. كما أن آل الحريري لا يزالون قادرين على توفير الدعم لشخصيات تستطيع الوصول إلى البرلمان، فيما سيواجه خصومهم صعوبات جدية في أكثر من دائرة انتخابية. أما الأمر الأكثر أهمية، فيتمثل في أن «القوات اللبنانية» ستواجه صعوبة في تعزيز قوتها، في وقت يجد فيه وليد جنبلاط نفسه في مواجهة تيار درزي مؤيد لإسرائيل داخل بيئته السياسية.

وبذلك، خسر يزيد أهم الأوراق التي راهن عليها، والمتمثلة في استخدام الترهيب لمنع القوى السياسية والفعاليات المحلية من التعاون أو التقاطع مع حزب الله. علماً أن «الذكاء السعودي» كان قد تفتّق عن فكرة العمل على فك التحالف بين بري والمقاومة، فيما واصل يزيد محاولاته لإقناع باسيل بإعلان الطلاق الكامل مع الحزب.

وعندما اندلعت الحرب على إيران، كانت السعودية على قناعة بأن الأمر لن يتجاوز بضعة أيام قبل سقوط النظام الإيراني، لتبدأ بعدها مرحلة الانهيار الشامل لحزب الله في لبنان. ومع دخول الحزب المواجهة، ارتفعت آمال الرياض وجماعتها في لبنان بأن تنجز إسرائيل المهمة نيابة عن الجميع. وجاء تصويت وزراء حركة أمل إلى جانب قرار الحكومة القاضي بتجريم المقاومة ليمنح السعودية انطباعاً بأن بري بات على وشك إعلان الانفصال السياسي عن حزب الله، بما يفتح الباب أمام تعديل جوهري في التمثيل الشيعي.

وفي ضوء هذه القراءة، طلبت السعودية من عون وسلام وغيرهما التمسك بخيار التسوية مع إسرائيل، على قاعدة النزع الكامل لسلاح حزب الله في كل لبنان، بالتوازي مع إطلاق مسار يستهدف تفكيك مؤسساته الاجتماعية والتنموية والصحية والمالية، وصولاً إلى خطة لإقفال كل المنابر الإعلامية التي تدعم المقاومة (ومنها برنامج عمل مستمر لإقفال «الأخبار»، برعاية بعض النوابغ في محيط رئيس الجمهورية ومساعده الحكومي سلام).

بعد أربعين يوماً على الحرب، وانقشاع الصورة عن فشل ذريع للمشروع الأميركي، انتقلت السعودية إلى مرحلة إدارة الخسائر. لكنها لم تُجرِ أي تبديل جوهري في مقاربتها للملف اللبناني، وليس صحيحاً إطلاقاً أن بن فرحان عدّل لهجته أو راجع مشروعه أو غيّر أهدافه. وكل ما طرحه في الاجتماعات الجدية كان يدور حول هدف واحد: ضمان استمرار السلطة في مسار التفاوض مع إسرائيل وصولاً إلى اتفاق أمني مع العدو يسهّل عملية نزع سلاح المقاومة.

فيما كان هناك داخل الولايات المتحدة وإسرائيل من يؤكد للسعودية أن حسم معركة لبنان يحتاج فقط إلى مزيد من الوقت. ولذلك، عندما رفض عون وسلام شمول لبنان بقرار وقف الحرب في السابع من نيسان الماضي، كان الأمر قد تحوّل إلى جريمة كبرى رعاها وأدارها بن فرحان بنفسه، بدعم من قوى لبنانية حاقدة، لا تزال ساعتها متوقفة عند العام 1860.

اليوم، لا يبدو أن هناك أي تغيير جوهري في الموقف السعودي من الملف اللبناني. وبالمناسبة، قد لا يروق لكثيرين الحديث عن المقترح الأميركي القاضي بإدخال سوريا طرفاً في الحرب على المقاومة، لكن الوقائع تشير إلى أن السعودية نفسها، بل إن بن فرحان شخصياً، كان أبرز الذين مارسوا ضغوطاً على حكومة أحمد الشرع للدخول في الحرب ضد حزب الله. بل إن السعودية، التي لم تسهم حتى الآن في إعادة إعمار منزل واحد في سوريا، استخدمت ورقة الدعم الاقتصادي والإعماري لابتزاز الشرع، ملوّحة بتجميد برامج المساعدة وإعادة الإعمار والتنمية إذا لم يوافق على هذا التوجه. كذلك، عبّرت الرياض، عبر بن فرحان نفسه، عن استيائها وغضبها من الموقفين المصري والتركي الرافضين للحرب على إيران، والأكثر رفضاً لأي تدخل سوري في الأزمة اللبنانية.

لكن حظ السعودية العاثر في مواجهة إيران والمقاومة، يقابله حظ أوفر مع جماعاتها في لبنان، ممن يواصلون ارتكاب الأخطاء نفسها، غير آبهين (بل راغبون) بدفع البلاد نحو فتنة داخلية، على أمل أن تتدخل «جيوش العالم الحر» لنجدة حفنة من التافهين وفاقدي العقل.

ما يهم السعودية اليوم ليس إجراء مراجعة شاملة لكل ما حصل، بل السير على خطى إسرائيل في ابتزاز اللبنانيين.

وقد تجلّى ذلك أخيراً في مشهد مثير للسخرية، عندما أعلنت الرياض السماح مجدداً بدخول الصادرات اللبنانية إلى أسواقها، فسارع الفريق السياسي نفسه إلى إقامة حفلات الدبكة والرقص، لأن «الطوباوي المقدس» سمح بإدخال بضعة صناديق من الكرز والدراق إلى موائد السلاطين.
وإذا كان يفترض بنا التركيز على كيفية إقناع «مهابيل» الداخل بإعادة النظر بما يفكرون به، إلا أن التحدي الكبير يبقى مرتبطاً بأصل المشكلة، أي السعودية، التي باتت اليوم مصدر الخطر الأكبر على مستقبل لبنان ووحدته وسلامة أرضه وأهله!

ابراهيم الامين- الاخبار

مقالات ذات صلة