🟠خاص شدة قلم: لبنان ليس ورقة ضغط: 40 عاماً من الجبروت الإيراني!

على مدى أكثر من أربعة عقود، ظلّ لبنان يدفع أثماناً باهظة من سيادته، ودماء أبنائه، واستقراره نتيجة لسياسة التدخّل الإيراني الممنهج، الذي حوّل هذا البلد من منارة للثقافة والازدهار، إلى ساحة صراع مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

بدأت الحكاية عام 1979 مع سعي “الثورة الشيعية الفارسية” إلى تصدير أيديولوجيتها العابرة للحدود، ليُترجم ذلك ميدانياً عام 1982، بدخول “الحرس الثوري الإيراني” إلى الأراضي اللبنانية، وتأسيس “حزب الله” كذراع عسكرية تابعة لـ”الولي الفقيه”، ممَّا وضع أول لُبُنات “الدويلة داخل الدولة”.

واختُطِف القرار!!
منذ ذلك الحين، اختُطِف القرار السيادي اللبناني؛ الذي ظهرات ملامحه إلى العلن، باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 2005، وتلتها مباشرة عام 2006 جُرّ الحزب للبنان إلى حرب مُدمّرة غير محسوبة العواقب، ولم تنتهي إلا بتوفيق اتفاق تفاهم بين لبنان وإسرائيل.

لم يقتصر خطر هذا السلاح على الخارج، بل وُجِّه إلى صدور اللبنانيين في الداخل خلال أحداث “اليوم الملعون” 7 أيار 2008، في استيلاء مُسلّح فاضح على العاصمة بيروت، وكاد أنْ يتسبب بحرب أهلية، والتي إلى اليوم لا تزال أذنابها تطل بين الحين والآخر، وآخر وقائعها “موقعة الطيونة” في 14 تشرين الأوّل 2021، بين القوات اللبنانية من جهة و”سلاح الثنائي الشيعي” من جهة أخرى.

من الثورة إلى 4 آب
ولم تقف طموحات الهيمنة عند الحدود اللبنانية، بل أُقحم الحزب الشباب اللبناني عام 2013 في أتون الحرب السورية، دفاعاً عن مصالح طهران في سوريا، ولكن بذريعة درء الخطر التكفيري عن لبنان، ما أسفر خطوة خطوة تبعية شاملة كاملة لإيران، أثمرت انهيار مؤسّسات الدولة، فتفجّر غضب الشعب يوم 17 تشرين الأوّل 2019، تحت شعار “كلن يعني كلن”، لكن سرعان ما سيّسها الأمين العام السابق للحزب حسن نصر الله، وتمَّ تطييف الحراك الشعبي واتهامه بالتمويل من السفارات العربية والغربية.

حتى كانت دُرّة تاج المآسي بانهيار الدولة كلياً، وارتفاع سعر الدولار مقابل الليرة من 15 ألف ليرة للدولار الواحد إلى 115 ألفاً، قبل أن يعود للاستقرار على 89.5، ووقعت كارثة “تفجير العنبر 12” في مرفأ بيروت يوم 4 آب 2020، اليوم الذي قتل العاصمة شر ميتة، وأسفر عن 220 شهيداً من المدنيين والدفاع المدني الأبرياء، بسبب تخزين الحزب لأطنان من نيترات الأمونيوم في المرفأ.

البيجر وما بعده
وهل ينتهي الأمر على ذلك؟ كلا بل عاد الحزب وبقرار إيراني إلى حشر لبنان وأهله في حرب “حركة حماس” مع العدو الإسرائيلي، وكان يوم 8 تشرين الأول 2023، بداية مسار لم ينته إلى اليوم في لبنان، فتح الحزب الإيراني بوابة الموت على لبنان، بحرب إسناد غزاوية، جلبت الموت والدمار، ولم يكد يمر عام على اندلاعها حتى بادرت إسرائيل إلى الانتقام بـ”عملية البيجر” يوم 17 أيلول 2024، وأعقبتها في اليوم التالي، موجة أخرى من تفجيرات أجهزة الاتصال اللاسلكية، التي أسفرت مجتمعة عن مقتل العشرات وإصابة الآلاف من المدنيين وعناصر حزب الله بتشوّهات وجراح وإعاقات دائمة.

وسرعان ما بدأت الحرب على لبنان وقُتل نصر الله وتلاه هاشم صفي الدين، وقيادات الصف الأول في الحزب، وكل قادة “وحدة الرضوان”، وصولاً إلى يوم 2 آذار 2026 وإطلاق الحزب 6 صواريخ عمياء على إسرائيل، انتقاماً لاغتيال أميركا وإسرائيل مرشده الإيراني علي خامنئي، وكانت اللعنة التي أسفرت عن احتلاق العدو أكثر من 65 قرية وتهجير أكثر من مليون لبناني ومصرع أكثر من 3000 شخص وجرح الآلاف، ودمار يندى له الجبين في الجنوب وخراب الضاحية الجنوبية، ما دفع الدولة اللبنانية مُرغمة إلى الرضا بمفاوضات مباشرة مع العدو علّها تُثمر أملاً.

لسنا ساحة خلفية
بعد كل ما سبق، وعشية توقيع “مذكرة التفاهم” الأميركية الإيرانية المُبهمة، يجد لبنان نفسه مُجدّداً محاصراً ومستخدماً كـ”ورقة ضغط” ورهينة الأجندة الإقليمية الإيرانية، حيث يطل الأمين العام نعيم قاسم ليدّعي الفور والانتصار، ويُبارك لإيران ويدعو الدولة اللبنانية للنزول من عليائها، ووضع يدها بأيديهم الملطخة بالدماء.

لكن سنبقى نقول ونردّد: “كل ما أقحمتمونا فيه ليس حربنا.. إنّه قرار إيران. نحن نستحق السلام، نحن الشعب الذي يرفض العودة إلى مربّعات الموت والدمار، نحن الشعب الذي يرفع صوته عالياً: لبنان ليس ساحة خلفية لأحد، وزمن دفع الأثمان نيابة عن مشاريع طهران التوسعية يجب أن ينتهي لتستعاد الدولة المستقلة ذات السيادة الكاملة. فهل يتحقق النداء؟!


مصطفى شريف – مدير التحرير

مقالات ذات صلة