أصالة في “المنتقم: قطار الفرح”.. من سجون صيدنايا إلى قاعات المحاكم الدولية

بين أقبية السجون، وصوت أصالة نصري، وذاكرة الدراما السورية، يطلق الكاتب والروائي القطري حمد حسن التميمي روايته “المنتقم: قطار الفرح”، التي أنهى كتابتها عام 2024 في شيكاغو وهو يسهر على والدته المريضة، وانتظر بها حتى سقط النظام السوري عام 2025، ليُطلقها للعالم عام 2026 من السعودية شهادةً تصرخ في وجه التاريخ.
عمل أدبي يُتوقع أن يثير نقاشًا عربيًا واسعًا، لما يحمله من جرأة إنسانية وسياسية تمزج بين الرواية النفسية والتوثيق الواقعي والذاكرة السورية المثقلة بالانكسار والمنفى.
الرواية تسرد قصة راني خليفة، الطالب السعودي ـ السوري، الذي انقلبت حياته بعد موقف حصل داخل قاعة محاضرات بجامعة دمشق عن العدالة وحقوق الإنسان، ليتحوّل فجأة من شاب جامعي إلى مُعتقل داخل سجن صيدنايا، قبل أنْ يصبح لاحقاً شاهداً رئيسيّاً في المحاكم الأوروبية ضمن ملفات جرائم الحرب.
“المنتقم: قطار الفرح” لا تقدّم نفسها كرواية سجون تقليدية، بل كرحلة داخل الذاكرة السورية والهوية العربية الممزّقة، حيث تمتزج السياسة بالفن، والواقع بالرمز، لتتشكل سردية عن الإنسان حين يُجرد من اسمه ثم يحاول استعادته.
ويبرز حضور الفنانة السورية أصالة نصري كأحد أكثر عناصر الرواية تأثيراً، إذ يمنحها التميمي مساحة رمزية خاصة، لاسيّماً في الفصل الختامي المستوحى من أغنيتها الشهيرة “لو هالكرسي بيحكي”، التي أطلقتها عام 2012، كصرخة في وجه الاستبداد، وتتحوّل داخل الرواية إلى مفتاح سردي يُعيد تعريف “الكرسي” بوصفه شاهداً على رحلة الألم.
“الكرسي” في الرواية ليس جماداً، بل ذاكرة حيّة.. الكرسي الخشبي الفارغ في القاعة 204 بجامعة دمشق بعد اعتقال “راني”، والكرسي المعدني البارد داخل غرفة التحقيق، وكرسي المحكمة في كارلسروه الألمانية حيث يواجه البطل جلاده أمام العدالة الدولية.
ومن خلال هذا البناء الرمزي، تتحوّل أصالة داخل الرواية إلى صوت للناجين، ورمز لـ”شجاعة الكلمة” في مواجهة الخوف، وإلى حضور فني يرافق الذاكرة حين تعجز السياسة عن الإنصاف.

كما تتميّز الرواية بابتكار فني لافت، إذ جعل التميمي كل فصل يحمل اسم مسلسل سوري شهير، مثل “طبول الحرية”، “أبناء القهر”، “الندم”، “غزلان في غابة الذئاب”، “قيد مجهول” و”بانتظار الياسمين”، في ما يشبه مرثية لعالم درامي سوري شكّل ذاكرة جماعية للعرب قبل أن يتحوّل إلى أرشيف للوجع.
هذا التناص مع الدراما السورية يمنح الرواية بُعداً نوستالجيّاً حادّاً، إذ يستدعي ذاكرة الجمهور العربي مع أعمال شكّلت وجداناً جماعيّاً لسنوات، قبل أنْ تتحوّل إلى إشارات على زمن مختلف انكسر بفعل الحرب. فالفصول ليست عناوين فقط، بل محطات نفسية تعكس انتقال سوريا من الحلم إلى الانهيار.
ويُضيف التميمي للرواية بُعداً بصريّاً وإعلاميّاً لافتاً، باختيار وجه المؤثر السعودي طوني الشمري لغلاف “المنتقم: قطار الفرح”، في خطوة خلقت تفاعلاً واسعاً حتى قبل صدور العمل، وفتحت باباً بين الأدب ومنصات السوشيال ميديا. حيث يقدّم الكاتب هذا الاختيار باعتباره جزءاً من بنية الرواية لا تفصيلاً شكليّاً، إذ طوني هو “الشقيق الروحي لـ راني”، بطل الرواية العالق بين أكثر من وطن وهوية وذاكرة.
ملامح طوني، ابن الأب السعودي والأم السورية، تعكس حالة “تداخل الجذور” نفسها التي يعيشها “راني”، الشاب السعودي السوري الذي يُجبر على العيش بين أسماء وجوازات وانتماءات مُتعدّدة، ليتحوّل الغلاف إلى سؤال مفتوح: مَنْ نحن حين تصبح الهوية موزّعة بين الخرائط؟، وهل يمكن للإنسان أنْ ينجوَ دون أنْ يتشظّى؟

وفي ذروة الأحداث، يخوض “راني” معركة قانونية داخل المحاكم الألمانية بعد تهريب ملف أمني يُدين العقيد “عاصم الجبوري”، الرجل الذي أشرف على التعذيب داخل السجن، لتتحوّل الرواية من قصة نجاة فردية إلى مواجهة مفتوحة بين الذاكرة والإنكار، وبين الضحية وجلاده.
“المنتقم: قطار الفرح” ليست رواية عن الحرب فقط، بل عن الإنسان حين يُختصر برقم، ثم يحاول استعادة صوته، وعن الفن حين يصبح شهادة، وعن الدراما والأغاني حين تتحوّل إلى أرشيف غير رسمي لذاكرة لا تُمحى، حتى لو حاولت السجون والمنفى طمسها.



